الذي أشرت إليه؟
قلتُ: نعم، تضمن حِكَماً؛ منها: أنه عَلِمَ منها أن محبته قد أخذتْ بمجامع قلبها، وخاف أن يُطمعها بإخفاء أمرها وكتمان سرها، فَرَامَ قطع طمعها بإطلاع حليلها على حالها، فأذاعه رجاء أن يقذعها، ويردّ عليها الخوف من بعلها والحياء من الناس.
الحكمة الثانية: أنه عليه السلام كان من سِنْخ (١) إبراهيم وسلالة النبوة وبيت الرسالة، وكانت دلائل النبوة لائحة على صفحات وجهه الكريم، وكان في مظنة أن يرسله الله تعالى إليهم، فنزّه منصب الرسالة وبيت النبوة عن أن يزنّ بمثل هذه الفاحشة الشنعاء التي تنفر الناس عن المتابعة، وتمنعهم من المشايعة. وهذه سُنَّة الله تعالى فيمن اختصهم لرسالته وجعلهم دعاة إلى طاعته، أن يطهّرهم من الكبائر الموبقة، والرذائل المنفِّرة، والنقائص الشائنة للحق والخلق.
الثالثة: أن العزيز أوصى زوجته بأن تُكرم مثواه رجاء أن ينفعه، ولا شبهة في أن في إفساد فراشه عليه ضرراً وعاراً، فلو أغضى عن هذه القضية وأعاره في زوجته أذناً صمّاء وعيناء عمياء، لخيّب فيه أمله الذي ارتجاه، فكشف له عن خلقها الذميم؛ ليحترز عليها ولا يركن إليها؛ حفظاً لعرضه فيما يستقبل من الزمان.
الرابعة: أنه عليه السلام علم أن مرض المحبة قد تمكن من قلبها، فلو أحسن إليها بالسكوت عنها لتضاعف مرضها بسبب انضمام إحسانه إلى حسنه، فداواها بالأذى رجاء نفعها، كما قيل:

(١)... السِّنْخ: الأصل من كل شيء (اللسان، مادة: سنخ).
(١/٣١٨)


الصفحة التالية
Icon