فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصباً.
" أنبئهم " فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والمشهور " أنبئهم " مهموز مضموماً، وقرئ بكسر الهاء.
ويروى عن " ابن عامر "، كأنه أتبع الهاء لحركة " الباء "، ولم يعتد بـ " الهمزة "، لأنها ساكنةٌ، فهي حاجز غير حَصِيْنٍ.
وقرئ بحذف الهمزة، ورُويت عن " ابن كثير "، قال " ابن جنّيّ " هذا على إبدال الهمزة ياء، كما تقول : أنبيت كأعطيت، قال : وهذا ضعيف في اللّغة ؛ لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر.
وهذا من أبي الفَتْحِ غيرِ مرضٍ، لأن البدل جاء في سَعَة الكلام، حكى " الأخفش " في " الأوسط " أنهم يقولون في أَخْطَأَت : أَخْطَيْت، وفي توضأت : توضيت.
قال : وربما حَرَّكوه إلى " الواو "، وهذا قليل قالوا :" رَفَوْت " في " رَفَأْت "، ولم أسمع " رَفَيْت ".
إذا تقرر ذلك، فللنحويين في صرف العلّة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل يجرى مجرى العلّة الأصلي أم ينظر إلى أصله ؟ ورتبوا على ذلك أحكاماً، ومن جملتها : هل يحذف جزماً كالحرف غير المبدل أم لا نظراً إلى أصله ؟ واستدل بعضهم على حذفه جزماً بقول زهير :[الطويل] ٣٧٦ - جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمُ
يُعَاقِبْ سَرِيعاً وإلاَّ يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤٦٣
لأن أصله :" يبدأ " بالهمزة، فكذلك هذه الآية أُبدلت الهمزة ياء، ثم حذفت حملاً للأمر على المجزوم.
وقرئ :" أَنْبِهُمْ " بإثبات " الياء " نظراً إلى " الهمزة " وهل تضم " الهاء " نظراً للأصل أم تكسر نظراً للصورة ؟ وجهان منقولان عن حمزة " عند الوقف عليه.
و " بِأَسْمَائِهِمْ " : متعلّق بـ " أَنْبِئْهُمْ "، وهو المفعول الثاني كما تَقَدَّم، وقد يتعدّى بـ " عن " نحو :" أنبأته عن حاله "، وأما تعديته بـ " من " في قوله :﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة : ٩٤] فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله :" فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمواتِ وَالأرْضِ ".
والمراد من هذا الغيب أنه كان عالماًَ بأحوال آدم قبل نطقه، وهذا يدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدلّ على بطلان مذهب " هشام بن الحكم " في أنه لا يعلم الأشياء إلاَّ عند وقوعها، فإن قيل : قوله :" الَّذِيْنَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ " يدلّ على أنّ العبد قد يعلم الغيب ؛ لأن الإيمان بالشَّيء فرع العلم به، وهذا الآية مشعرة بأن علم الغيب ليس إلا لله تعالى، وأن كل من سواه فهم خالُونَ عن علم الغيب.
والجواب : ما تقدم في قوله :﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة : ٣].
قوله :" قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ " " قال " جواب " فلما "، والهمزة للتقرير إذا دخلت على تفي تقرير قررته، فيصير إثباتاً كقوله :﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح : ١] أي : قد شرحنا.
و " لم " حرف جزم، و " أقل " : مجزوم بها حذفت عينه، وهي " الواو " لالتقاء الساكنين، و " لكم " متعلّق به، و " اللام " للتبليغ، والجُمْلَة من قوله :" إني أعلم " في محلّ نصب بالقول.
وقد تقدم نظائر هذا التركيب.
قوله :" وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ " كقوله " أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " من كون " أعلم " فعلاً مضارعاً، و " أفعل " بمعنى " فاعل " أو " أفعل " تفضيل، وكون ما في محلّ نصب أو جر، وقد تقدم.
والظاهر : أن جملة قوله :" وأعلم " معطوفة على قوله :" إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ "، فتكون في محلّ نصب بالقول.
وقال " أبو البقاء " : إنه مستأنف، وليس محكياً بالقول : ثم جوَّز فيه ذلك.
و " تبدون " وزنه :" تفعون " ؛ لأن أصله : تبدوون مِثْل : تخرجون، فأعلّ بحذف " الواو " بعد سكونها، و " الإبداء " : الإظهار، و " الكَتْم " الإخفاء ؛ يقال : بَدَا يَبْدُو بَدَاء ؛ قال :[الطويل] ٣٧٧ -.........................
بَدَا فشي تِلْكَ القَلُوصِ بَدَاءُ
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤٦٣