جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٠٤
وفي رَفْعِهِ الوَجْهَان المَذْكُوران عن سيبويه والمُبرِّد.
ورَدَّ عليه أبو حَيّان : بأن العطفَ على التوَهُّم لا يَنْقَاس ؛ ولأنَّ قوله يؤدِّي إلى حَذْفِ جواب الشَّرْط، ولا يُحْذَفُ إلاَّ إذا كان فِعْل الشَّرْط ماضياًن لو قُلْت :" أنت ظَالمٌ إنْ تفعل " لم يَجُز.
وهذا - كَمَا رَأيتَ - مضارعٌ، وفي هذا الردِّ نَظَرٌ لا يَخْفَى.
" ولو كنتم " قالوا : هي بِمَعْنى :" إنْ " وجوابُها مَحْذُوف، أي : لأدْرَكَكُمْ، وذكر الزَّمَخْشري فيه قَوْلاً غَرِيباً عن عِنْدَ نَفْسِه، فقال :" ويجوزُ أن يَتَّصِل بقوله :﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ أي : لا تُنْقَصُون شيئاً مِمَّا كُتِب من آجَالِكُم أيْنَمَا تَكُونوا في مَلاَحمِ حُروبٍ أو غيرها، ثم ابتدأ بِقَوله :﴿تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾، والوَقْفُ على هذا الوَجْه على ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ﴾ انتهى.
ورَدَّ عليه أبو حيَّان، فقال : هذا تَخْريجٌ ليس بِمُسْتَقيمٍ، لا من حيث المعنى ولا من حيث الصِّنَاعةِ النَّحوية : أمَّا من حَيْثُ المعنى : فإنه لا يُناسِبُ أن يكون مُتَّصلاً بقوله :﴿لاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ؛ لأنَّ انتفاءَ الظُّلْم ظاهِراً إنما هو في الآخرة ؛ لقوله - تعالى - :﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى ﴾.
وأمَّا من حَيْث الصِّنَاعةُ النَّحويّة : فإنَّ ظاهر كلامه يَدُلُّ على أنَّ " أينما تكونوا " متعلِّقٌ بقوله :﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ بمعنى ما فسّره، وهذا لا يجُوزُ ؛ لأن أسْمَاءَ الشَّرْط لها صَدْرُ الكَلاَم، فلا يَتَقَدَّم عَامِلُها عليها، فإنْ وَرَد مثلُ :" اضْربْ زيداً متى جَاءَ " قُدِّر له عَاملٌ يدلُّ عليه " اضرب " لا نفسُ " اضْرِب " المتقدِّم.
٥٠٥
فإن قيل : فكذلك يُقَدِّر الزَّمَخْشَرِيّ عاملاً يدلُّ عليه ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ تقديره :" أينما تكونوا فلا تظلمون " فحذف " فلا تظلمون "، لدلالةِ ما قبله عليه، فيخلُصُ من الإشْكَال المَذْكُور.
قيل : لا يُمْكِن ذلك ؛ لأنه حينئذ يُحذفُ جَواب الشَّرط وفعلُ الشرط مُضَارعٌ، وقد تقدم أنَّه لا يَكُون إلا ماضياً ".
وفي هذا الردِّ نظرٌ ؛ لأنه أرادَ تَفْسِير المَعْنَى.
قوله : ولا يناسب أن يكون مُتَّصِلاَ بقوله :﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ مَمْنُوعٌ، بل هُو مُنَاسِب، وقد أوضَحَهُ الزَّمَخْشَرِي بما تقدَّم احْسَنَ إيضَاحٍ.
والجُمْلَة الامتنَاعِيَّة في مَحَلَّ نصبٍ على الحَالِ، أي : أينما تَكُونوا من الأمكنة، يدركْكم المَوْت، ولو كانت حَالُكم أنَّكم في هذه البُرُوج، فيُفْهَمُ أن إدراكه لهم في غَيْرِها بطريق الأوْلى والأخْرى، وقريبٌ منه :" أعْطُوا السَّائِل ولو على فَرَسٍ ".
والجملةُ الشَّرطِيَّة تحتمل وَجْهَيْن : أحدهمت : أنها لا مَحَلَّ لها من الإعراب ؛ لأنها استِئْنَافُ إخبارٍ ؛ اخبر - تعالى - أنَّه لا يفُوتُ الموتَ أحَدٌ، ومنه قولُ زُهَيْر :[الطويل] ١٨٣٤ - وَمَنْ هَابَ أسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ
ولَوْ رَامَ أسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٠٤
والثَّاني : أنها في مَحَلِّ نَصبٍ بالقَوْل قَبْلَها أي : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَبِيلٌ، وقُلْ أيضاً : أينما تَكُونُوا.
والجُمْهُور على " مشيدة " بفتح الياء اسم مَفْعُول.
ونعيم بن ميْسَرة بِكَسْرِها، نسَبَ الفعلَ إليها مَجَارزاً ؛ كقولهم :" قَصِيدَةٌ شَاعِرَة "، والموْصُوفُ بذلك أهْلُها، وإنما عَدَلَ إلى ذلك مُبَالغةً في الوَصْفِ.
والبُرُوج : الحُصُونُ مَأخُوذةٌ من " التَّبرُّج " وهو الإظْهَارُ، ومنه :" غير مُتبرِّجَات بزينة "، والبَرَجُ في العين : سَعَتُها، ومنه قولُ ذي الرُّمَّة :[البسيط] ١٨٣٥ - بَيْضَاءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَاءُ فِي غَنَجٍ
كَأنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ
وقولُهُم :" ثَوْبٌ مُبَرَّجٌ " أي : عليه صُورُ البُرُوج ؛ كقولهم :" مِرْطٌ مُرَجَّل " أي : عليه صُورُ الرِّجَال، يروى بالجيم والحاء، والمشيَّدة : المَصْنُوعة بالشِّيدِ ؛ وهو الجِصُّ، ويقال :" شَادَ البِنَاء وشيَّدَهُ " كرَّر العَيْن للتَّكْثِير ؛ ومن مجيء " شاد " قولُ الأسود :[الخفيف]
٥٠٦
١٨٣٦ - شَادَهُ مَرْمَراً وجَلَّلَهُ كِلْـ
ـسَاً فَِلِلطَّيْرِ فِي ذَرَاهُ وُكُورُ