نون الفاعنل لا نون الوقاية، واستدلَّ الأخفش بأن الثقل إنما حصل بالثانية ؛ ولأنه قد استْتُغْنِيَ عنها، فإنه إنما أتى بها لِتَقِيَ الفعل من الكسر، وهو مَأمُونٌ لوقوع الكسْرِ على نون الرفع، ولأنها لا تَدُلُّ على معنى، بخلاف نون الرفع، وأيضاً فإنها تُحْذَفُ في نحو ليتنين فيقال : ليتي ؛ كقوله :[الوافر] ٢٢٢٥ - كَمُنْيَةِ جَابِرٍ إذْ قَالَ : لَيْتِي
أصَادِفُهُ وأتْلِفُ بَعْضَ مَالِي
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٢
واعلم أن حَذْفَ النون في هذا النحو جائز فصيح، ولا يلتفت إلى قَوْلِ مَنْ مَنَعَ من ذلك إلاَّ في ضرورة أو قليل من الكلام، ولهذا عيبَ على مكي بن ابي طالب حيث قال :" الحذف بِعِيدٌ في العربية فبيح مكروه، وإنما يجوز في الشعر لِلْوزْنِ، والقرآن لا يحتمل ذلك فيهح إذ لا ضرورة تدعو إليه ".
وتَجَاسَرَ القولان مَرْدُودَانِ عليهما ؛ لتواتر ذلك، وقد تقدم الدليل على صِحَّته لغة.
وأيضاً فإن الثِّقات بت " أتُحَاجُّونِّي " لا بـ " حَاجَّهُ "، والمسألة من باب التَّنَازُعِ، وأعْمِلَ الثاني ؛ لأنه لمَّا أضمر في الأول حذف، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني من غير حَذْفِ، ومثله :﴿يَستَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ [النساء : ١٧٦]كذا قال أبو حيَّان، وفيه نظر من حيث إن المعنى ليس على تَسَلُّطِ " وَحَاجَّهُ " على قوله :" في اللَّه " ؛ إذ الظاهر انْقِطَاعُ الجملة القولية عما قبلها.
٢٥٤
وقوله :" في اللَّهِ " أي : في شأنه، ووحدانيته.
قوله " وَقَدْ هَدَانيِ " أي : للتوحيد والحقن وهذه الجملة في مَحَلِّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان : أظهرهما : أنَّهُ الياء في " أتحاجونني "، أي : أتجادلونني فيه حال كوني مهدياً من عنده.
والثاني : أنَّهُ حالٌ من " الله " أي : أتخاصمون فيه حال كونه هادياً لي، فحجتكم لا تُجْدِي شيئاً ؛ لأنها دَاحِضَةٌ.
قوله :" ولا أخَافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ " هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، أخبر عليه الصلاة والسلام بأنه لا يخاف ما يشركون به، وإنما ثِقتُهُ برَبِّه، وكانوا قد خَوَّفُوهُ من ضَرَر يحل لَهُ بسبب سَبِّ آلهتهم.
ويحتمل أن تكون في مَحَلِّ نصب على الحال باعتبارين : أحدهما : أن تكون ثانيةً عَطْفاً على الأولىن فتكون الحالان من اليا ااء في " أتُحَاجُّونِّي ".
والثاني : أنها حالٌ من " الياء " في " هداني "، فتكون جملةً حاليةً من بعض جملة حاليةٍ، فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلاَّ أنه لا بُدَّ من إضمارِ مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع، لما تقدَّم من أنَّ الفعل المضارع المنفي بت " لا " حُكْمُهُ حُكْمُ المثبت من حيث إنه لآ تُبَاشِرُهُ الواو.
و " ما " يجوز فيها الأوحه الثلاثة : أن تكون مصدريَّة، وعلى هذا فالهاء في " به " لا تعود على " ما " عند الجمهور، بل تَعُودُ على اللَّهِ تعالى، والتقديرُ : ولا أخَافُ إشراككم باللَّهِ، والمفعول محذوف ؛ أي : ما تشركون غير اللَّهِ به، وأن تكون بمعنى " الذي "، وأن تكون نَكِرَةً موصوفةً، والهاء في " به " على هَذيْنِ الوجهين تعود على " ما "، والمعنى : ولا أخاف الذين تشركون الله به، فحذف المعفول أيضاً، كما حذفه في الوجه الأوَّلِ.
وقدَّرَ أبو البقاءِ قبل الضمير مُضَافاً، فقا : ويجوز أن تكون الهاء عائدجة على " ما " أي : ولا أخافُ الذي تشركون به، ولا حاجةَ إلى ذلك.
قوله :" إلاَّ أنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً " في هذا الاستثناء قولان : أظهرهما : أنه متَّصِلٌ.
والثاني : أنه منقطع، والقائلون بالاتِّصالِ اختلفوا في المستثنى منه، فجعله الزمخشري زماناً، فقال :" إلاَّ وقت مشيئة ربِّي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني : لا
٢٥٥
أخافُ معبوداتكم في وقتٍ قَطُّ ؛ لأنها لا تَقْدِرُ على منفعة ولا مضرَّة، إلاَّ إذا شاء رَبِّي ".
وجعله أبو البقاء حالاً، فقال : تقديره إلاَّ في حال مشيئة ربِّين أيْ : لا أخافها في كُلِّ حالٍ إلاَّ في هذه الحالِ.
وممن ذهب إلى انْقِطَاعِهِ ابن عطية، والحوفي، وأبو الققاء في أحَدِ الوجهين.
فقال الحوفي : تقديره :" ولكنْ مشيئة اللَّهِ أيَّاي بضُرِّ أخاف ".
وقال غيره : معناه : ولكن إن شاء ربِّي شيئاً، أي سواء فيكون ما شاء.
وقال ابن عطية : استثناءً ليس من الأوَّلِ، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضُرّاً، استثنى مشيئة ربَّه في أن يريده بِضُرٍّ.
قوله :" شيئاً " يجوز فيه وجهان : أظهرهما : أنه مَنْصُوبٌ على المصدر تقديره : إلاَّ أن يشاء ربي شيئاً من المَشِيئةِ.
والثاني : أنَّهُ مفعول به لـ " شيئاً "، وإنما كان الأوَّلُ أظْهَرَ لوجهين : أحدهما : أن الكلام المؤكّد أقوى وأثبت في النَّفْس من غير المؤكّد.
والثانهي : أنَّهُ قد تقدَّمَ أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكران إلاَّ إذا كان فيهما غرابة كقوله :[الطويل] ٢٢٢٦ - وَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ
..........................