وإنَّما ذكرت هُنَا هَذِه العُجَالة تَنْبيهاً على خَطَإٍ من رَدَّ قراءته ونَسَبَه إلى لَحْنٍ، وأو اتِّبَاع مجرَّد المَرْسُوم فقط.
قال أبو جَعْفَر النحاس : وهذا يَعْني أنّ الفَصْل بين المُضَافِ والمضافِ إليه بالظَّرْفِ أو غيره لا يجُوز في شِعْرٍ ولا غيره، وهذا خطأ من أبي جَعْفَر ؛ لما سنذكره من لسَان العرب.
وقال أبو علي الفارسيّ : هذا قَبيحٌ قليل في الاسْتِعْمَال، ولو عَدَل عَنْهَا - يعني ابن عامر -، كان أولى ؛ لأنهم لم يَفْصِلُوا بين المُضَافِ والمُضافِ إليه بالظَّرف في الكلام مع اتِّساعهم في الظَّرُوفِ، وإنَّما أجَازُوه في الشِّعْر " قال :" وقد فَصَلُوا به - أي بالظَّرف - في كَثِير من المواضع، نحو قوله تعالى ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة : ٢٢] ؛ وقال الشاعر في ذلك :[المتقارب] ٢٣١٧ - عَلَى أنَّنِي بَعْدَمَا قَدْ مَضَى
ثلاثُونَ - لِلْهَجْرِ - حَوْلاً كَمِيلاً
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٤٤
وقول الآخر في هذا البيت :[الطويل] ٢٣١٨ - فَلاَ تَلْحَنِي فيها فإنَّ - بِخُبِّهَا -
أخَاكَ مُصَابُ القَلْبِ جَمٌّ بلابِلُهْ
ففصل بين " إنَّ " واسْمَها بما يتعلَّق بخبَرِهَا، ولو كان بِغَيْر الظرف، لم يَجُزْ، ألا تَرَى أنَّك لو قُلْتَ :" إنَّ زَيْداً عَمْراً ضَارِب " على أن يكون " زَيْداً " منصُوباً بـ " ضَارِب " لم يَجز، فإذا لم يُجِيزُوا الفَصْل بين المُضَافِ والمُضافِ إلَيْهِ في الكلامِ بالظرفِ مع اتِّساعهم فيه في الكلام، وإنما يجُوزُ في الشَّعْر ؛ كقوله :[الوافر] ٢٣١٩ - كَمَا خُطَّ الكِتَاب بَكَفِّ - يَوْماً -
يَهْودِيِّ يُقَاربُ أوْ يُزيلُ
فأن لا يجوز بالمفعُول الذي لم يُتَّسعْ فيه بالفَصْلِ أجْدَر، ووجه ذلك على ضَعْفَه وقلَّة الاسْتِعَمال : أنه قد جَاءَ في الشِّعْر على حدِّ ما قَرَأهُ قال الطَّرْمَاح :[الطويل] ٢٣٢٠ - يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَرَاتِعِ لَم تَرُعْ
بِوَاديهِ مِنْ قَرْعِ - القِسيِّ - الكَنَائِنِ
وأنشد أبو الحسن :[مجزوء الكامل]
٤٤٥
٢٣٢١ -.................
زَجَّ - القلُوصَ - أبِي مَزَادهُْ
وقال أبو عُبَيْد : وكان عبْدُ اللَّه بن عَامِر، وأهل الشام يَقْرءُونها :" زُيِّن " بضم الزَّاي " قُتْلُ " بالرَّفْع، " أولادَهُم " بالنَّصْب، " شُرَكَائهم " بالخَفْضِ، ويتأولون " قَتْلَ شُرَكَائِهِم أوْلادَهم " فيفرقون بين الفِعْل وفاعله.
قال أبو عبيد :" ولا أحِبُّ هذه القراءة ؛ لما فيها من الاسْتِكْرَاه والقِراءة عِنْدنَا هي الأولَى ؛ لصحِّتِها في العربيِّة، مع إجْماع أهْل الحَرْمَيْن والمِصْرَين بالعراق عَلَيْهَا ".
وقال سيبويْه في قولهم :
٢٣٢٢ - يا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارْ
بخفض " اللَّيْلَةِ " على التَّجُّوز وبنصب " الأهْلِ " على المَفْعُولِيَّة، ولا يجُوز " يا سَارِقَ اللَّيْلَة أهْلَ الدَّار " إلاَّ في شِعْر ؛ كراهة أن يَفْصِلُوا بين الجَارِّ والمجْرُور، ثم قال : وممَّا جَاء في الشِّعْر قد فُصِل بَيْنَهُ وبين المَجْرُور قول عمرو بن قميئة :[السريع] ٢٣٢٣ - لمَّا رَأتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ
لِلَّهِ دَرُّ - اليَومَ - مَنْ لاَمَهَا
وذكر أبْيَاتاً أُخَر.
وقال أبو الفتح بن جني :" الفَصْل بين المُضَافِ والمُضَافِ إليه بالظَّرْف والجَارِّ والمَجْرُور كَثِيرٌ، لكنه من ضَرُورَة الشَّاعِر ".
وقال مكي بن أبي طالب :" ومن قَرَأ هذه القراءة ونَصَب " الأوْلادَ " وخفض " الشُّركاء " فيه قراءة بعيدةٌ، وقد رُويَتْ عن ابْن عامر، ومجازها على التَّفْرِقَة بين المُضَافِ والمُضافِ إليه بالمفعُول، وذلك إنَّما يجُوزُ عند النَّحويِّين في الشِّعْر، وأكثر ما يَكُون بالظَّرْفِ ".
٤٤٦
قال ابن عطيَّة - رحمه الله - : وهذه قراءةٌ ضَعِيفَة في اسْتِعْمَال العرب، وذلك أنَّه أضاف الفِعْلَ إلى الفاعل، وهو الشُّرَكَاء، ثُمَّ فصل بين المُضافِ والمُضافِ إليه بالمفْعُول، ورُؤسَاء العربيَّة لا يُجيزُون الفَصْل بالظُّرُوف في مِثْل هذا إلا في شِعْرٍ ؛ كقوله :[الوافر] ٢٣٢٤ - كَمَا خُطَّ - الكِتَابُ بِكَفِّ يَوْماً
يَهْودِيِّ.......................
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٤٤
البَيْت فكيف بالمَفْعُول في أفْصح كلام ؟ ولكنْ وجهُها على ضَعْفِها : أنَّها وردت في بَيْتٍ شّاذِّ أنْشَدَهُ أبو الحَسَن الأخْفَش، فقال :[مجزوء الكامل] ٢٣٢٥ - فَزَجَجْتُهَا بِمَزجَّةٍ
زَجَّ - القلُوصَ - أبي مَزَادَهْ
وفي بيت الطِّرمَّاح، وهو قوله :[الطويل] ٢٣٢٦ - يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَرَاتِعِ لَمْ تَرُعْ
بِوَادِيهِ مِنْ قَرْع - القِسِيَّ - الكَنَائِنِ
وقال الزَّمخشري - فأغْلظ وأسَاء في عبارتهِ - " وأم قِرَاءة ابن عامرٍ - فذكرها - فشيء لو كان في مكان الضرُورة وهو الشِّعْر، لكان سَمِجاً مرْدُوداً كما سَمُج ورورد :[مجزوء الكامل] ٢٣٢٧ -................


الصفحة التالية
Icon