زَجَّ - القلُوصَ - أبِي مَزَادَهْ
فكيف به في الكلام المَنْثُور ؟ كيف به في القُرْآن المُعْجِز بحُسْن نَظْمِه وجَزَالَتِه ؟ الذي حمله على ذلك : أنْ رأى في بَعْض المَصَاحف " شُرَكَائِهِم " مكْتُوباً بالياءِ، ولو قرأ بجرِّ " الأوْلاد " و " الشُّركاء " - لأن الأولاد شُرَكَاؤهم في أموالهم - لوجَد في ذلك مَنْدُوحة عن هذا الارتكاب ".
قال شهاب الدين :" سَيَأتي بيان ما تمنَّى أبو القاسِم أن يَقْرَأه ابن عَامرٍ، وأنه قد قرأ به، فكأنَّ الزَّمَخْشَرِيّ لم يَطَّلِعْ على ذلك، فلهذا تَمَنَّاه ".
وهذه الأقوال التي ذكرتها جَمِيعاً لا يَنْبَغِي أن يُلْتَفَت إليها ؛ لأنها طَعْن في المُتَواتِر، وإن كانت صَادِرةً عن أئِمَّةٍ أكَابِر، وأيضاً فقد انْتصَر لها من يُقَابِلُهُم وأوْرَد من لسانِ العربِ نَظْمهِ ونَثْرِه ما يَشْهَد لصِحَّة هذه القراءة لُغَة.
قال أبو بَكْر بن الأنْبَاريّ :" هذه قِرَاءة صَحيحَةٌ وإذا كانت العرب قد فَصَلَتْ بني المُتضَايفين بالجُمْلَة في قولهم :" هُو غُلامُ - إن شَاءَ اللَّه - أخِيكَ " يُرِيدون : هو غلام أخِيكَ، فأنْ يُفْصَل بالمفْرَد أسْهَل " انتهى.
وسمع الكَسَائِي قول بعضهم :" إن الشَّاةُ لتجترُّ فتَسْمع صَوْت واللَّه ربِّهَا "، أي :
٤٤٧
صَوْت ربِّها واللَّه، ففصل بالقسم وهو في قُوَّة الجُمْلَة، وقرأ بَعْض السَّلَف :﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم : ٤٧] بنصب " وَعْدَهُ " وخفض " رُسُلِهِ " وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام - :" هَلْ أنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبي، تَارِكُوا لِي امْرَأتِي " أي تاركو صَاحِبي لي، تَارِكُو امْرَأتِي لي.
وقال ابن جِنِّي في كتاب " الخصائص " : باب ما يَرِدُ عن العَرَبِيّ مُخَالِفاً للجُمْهُور، إذا اتَّفق شَيْءٌ من ذلك، نُظِر في ذلك العربي وفيما جَاءً بهِ : فإن كان فَصِيحاً وكان مَا جَاء به يَقْبَلُه القِيَاسُ، فَيَحْسُن الظَّنُّ به ؛ لأنه يمكن أن يَكُون قَدْ وَقَع إليه ذَلِك من لُغَةٍ قديمة، قد طَال عَهْدُها وعَفَا رَسْمُهَا.
أخرنا أبُو بكْر جعفر بن مُحَمَّد بن أبي الحَجَّاج، عن أبي خَلِيفَة الفَضْل بن الحباب، قال : قال ابن عَوْف عن ابن سيرين : قال عُمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - :" كان الشِّعْر عِلْمَ قَوْم لم يَكُونْ لَهُم عِلْمٌ منه ؛ فجاء الإسْلام فتشاغَلَت عَنْه العَرَب بالجِهَاد وغَزْو فَارِس والرُّوم، ولَهَت عن الشِّعر وروايته، فلما كَثُر الإسلام وجاءت الفُتُوح، وأطْمَأنَّت العرب في الإمْصَارِ، راجَعُوا رواية الشِّعْرِ فلم يَئُولوا إلى دِيوانٍ مُدَوَّنٍ، ولا إلى كِتاب مكْتُوبٍ، وألِفُوا ذلك وقد هَلَك مَنْ هَلَك من العربِ بالموت والقَتْلِ، فَحَفِظُوا أقل ذلك وذهب عَنْهُم كَثِيرُه ".
قال : وحدَّثنا أبو بكر، عن أبِي خَلِيفَة عن يُونُس بن حَبِيب، عن أبِي عَمْرو بن العلاء.
قال :" ما انْتَهى إليكم مما قالت العَرَب إلا أقَلُّه، ولو جَاءَكُم وافراً لجَاءَكُم عِلْمٌ وشِعْر كَثِير ".
وقال أبو الفَتْح :" فإذا كان الأمْر كَذَلِك، لم نَقْطَع على الفَصِيح إذا سُمِع مِنْه ما يُخَال الجُمْهُور بالخَطَإ، ما وُجِد طَريقٌ إلى تَقَبُّل ما يُورِدُه، إلا إذا كان القِيَاسُ يُعَاضِدُه ".
قال شهاب الدِّين : وقراءة هذا الإمام بهذه الحيثيَّة، بل بطريق الأولَى والأحْرَى لو لم تكُن مُتَوَاتِرة، فكيف وهي مُتواتِرَة ؟ وقال ابن ذَكْوَان : سألَني الكَسَائِي عن هذا الحَرْفِ وما بَلَغَهُ من قِرَاْتنا، فرأيْتُه كأنه أعْجَبَه وتَرَنِّم بهذا البيت :[البسيط] ٢٣٢٨ - تَنْفِي يَدَهَا الحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ
نَفْيَ - الدَّرَاهِيمَ - تَنْقَادِ الصَّيَارِيفِ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٤٤
بنصب " الدَّرَاهِيم " [وجَرِّ " تَنْقَاد "، وقد رُوِي بخفض " الدَّرَاهِيم " ورفع " تَنْقَادُ " وهو الأصْل، وهو المَشْهُور في الرِّواية].
٤٤٨
وقال الكرمَانِيّ :" قراءة انب عَامرٍ وإن ضَعُفَتْ في العَرَبِيَّة للإحَالَة بين المُضَافِ والمُضَافِ إليه فَقَويَّةٌ في الرَّواية عَالِيةٌ " انتهى.
وقد سُمِعَ ممَّنْ يُوثَق بعربيَّته :" تَرْكُ يَوْماً نَفْسِك وهَوَاهَا سَعْيٌ في رَادَاهَا " أي : تَرْكُ نَفْسِك يَوْماً مع هَوَاهَا سَعْيٌ في هَلاكِهَا.
وأما ما ورد في النَّظْمِ من الفَصْلِ بين المُتَضَايفين بالظَّرْف، وحَرْف الجرِّ، وبالمفعول فكَثِيرٌ، وبغير ذلك قَلِيل، فمن الفَصْل بالظَّرْفِ قول الآخر :[الوافر] ٢٣٣٠ - كَمَا خُطَّ الكِتَابُ بَكَفِّ - يَوْماً -
يَهْودِيِّ........
وقول الآخر :[السريع] ٢٣٣١ قَدْ سَألَتْنِي أمُّ عَمْرٍو عَنِ الـ
أرْضِ الَّتِي تَجْهَلُ أعلامَهَا
لمَّار رَأتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ
لِلِّهِ دَرُّ - اليَوْمَ - مَنْ لاَمَها
تَذَكَّرَتْ أرْضاً بِهَا أهْلُهَا
أخْوالَهَا فِيهَا وأعْمَامَهَا