يريد : للَّه دَرُّ مَنْ لامَها اليَومْ، و " ساتِيدمَا " قيل : هو مرَكَّب والأصْل :" سَاتِي دَما " ثم سمِّي به هذا الجبل ؛ أنه قُتِل عِنْدَه، قيل : ولا تَبْرح القَتْلَى عند، وقيل :" سَاتِيد " كله اسْمٌ و " مَا " مَزِيدة ؛ ومثال الفَصْل بالجار قوله :[الطويل] ٢٣٣٢ - هُمَا أخَوَا - فِي الحرْب - مَنْ لا أخَا لَهُ
إذا خَافَ يَوْمَاً نَبْوَةً فَدَعَاهُمَا
وقال الآخر في ذلك :[البسيط] ٢٣٣٣ - لأنْتَ مُعْتَادُ - فِي الهَيْجَا - مُصَابَرَةٍ
يَصْلَى بِهَا كُلُّ مَنْ عَادَاكَ نِيرَانَا
وقوله أيضاً :[البسيط]
٤٤٩
٢٣٣٤ - كَأنَّ أصْوَات - مِنء إيغَالِهِنَّ بِنَا -
أوَاخِر المَيْسِ أصْواتُ الفَرَارِيجِ
قوله أيضاً :[ الطويل] ٢٣٣٥ - تَمُرُّ على ما تَسْتِمِرُّ وَقَدْ شَفَتْ
غَلائِلَ - عَبْدُ القَيْسِ مِنْهَا - صُدُورِهَا
يريد : هما أخَواَ مَنْ لا أخَا لَهُ في الحربِ، ولانْتَ مُعْتَادُ مُصَابرةٍ في الهَيْجاء، وكأن أصوات أواخر الميس وغَلائِل صُدُورها، ومن الفَصْل بالمفعُول قول الشاعر في ذلك :[مجزوء الكامل] ٢٣٣٦ - فَزَجَحْتُهَا بِمَزَجَّةٍ
زَجَّ - القُلُوصَ - أبِي مَزادَهْ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٤٤
ويروي : فَزَجَجْتُها فتدافعتْ، ويروى : فزجَجْتُهَا متمكِّنَا، وهذا البيت كما تقدم أنْشَده الأخْفَش بِنْصَب " القَلُوصَ " فاصلاً بين المصدر وفاعل المعْنوِيّ، إلا أن القرَّاء قال بعد إنشاده لهذا البيتِ : أهل المدينة يُنْشِدون هذا البَيْتَ يعني : بِنَصْب " القَلُوص ".
قال :" والصَّواب : زَجَّ القَلُوصِ بالخَفْض ".
قال شهاب الدِّين : وقوله :" والصَّواب يُحْتَمل أن يكُون من حَيْث الرِّوَاية الصَّحيحة وأن يكُون من حَيْثُ القياس، وإن لم يُرْوَ إلا بالنَّصْب، وقال في مَوْضِع آخر من كتابه " مَعَانِي القُرْآن " :" وهذا ممَّا كان يقُولُه نَحْوي ُّو أهل الحِجَاز، ولم نَجِد مِثْلَه في العربيَّةط وقال أبو الفَتْح :" في هذا البيت فُصِل بينهُمَا بالمفعُول به هذا مع قُدْرته على أنْ يقُول : زَجَّ القَلُوص أبو مزادة ؛ كقولك :" سَرَّنَي أكلُ الخُبْزِ زَيْدٌ " بمعنى : أنه كان يَيْبَغِي أن يُضِيفَ المَصْدَر إلى مَفْعُوله، فَيَبْقى الفاعل مَرْفُوعاً على أصْلِه، وهذا مَعْنَى قول الفرَّاء الأوَّل " والصَّواب جر القَلُوص " سيعني ورفع الفاعل ".
ثم قال ابن جِيني : وفي هذا البَيْت عِنْدي دَلِيلٌ على قُوَّة إضافَةِ المَصْدَر إلى الفَاعِل عِنْدَهُم، وأنه في نُفُوسِهِم أقْوَى من إضافته إلى المَفْعُول ؛ ألا تراه ارْتَكب هذه الضَّرُورة
٤٥٠
مع تمكُّنِهِ من تركِهَا لا لِشَيْءٍ غير الرَّغْبة في إضافة المصْدَرِ إلى الفاعل دُون المَفْعُول، ومن الفَصْلِ بالمفعُول به أيضاً قول الآخر في ذلك :[الرجز] ٢٣٣٧ - وحِلَقِ المَاذِيِّ والقَوانِسِ
فَدَاسَهُمْ دَوْسَ الحَصَادَ الدَّائِسِ
أي : دوس الدائس الحصادَ.
ومثله قول الآخر :[الرجز] ٢٣٣٨ - يَفْرُكُ حَبَّ السُّنْبُلِ الكُنَافِجِ
بالقَاعِ فَرْكَ - القُطُنَ - المُحَالِجِ
يريد : فَرْك المُحَالِجِ القُطْن، وقول الطِّرمَّاحِ في ذلك :[الطويل] ٢٣٣٩ -................
بِوَاديهِ مِنْ قَرْعِ - القِسيَّ - الكَنَائَنِ
يريد : قَرْع الكَنَائِنِ القِسِيَّ.
قال ابن جِنِّي في هذا البيت :" لم نَجِد فيه بُداً من الفَصْلِ ؛ لأن القوافي مَجْرُورَة " وقال في " زَجِّ القَلُوصِ " فصل بَيْنَهُما بالمَفْعُول به، هذا ما قُدْرَته إلى آخَر كلامهِ المتقدِّم، يعني : أنَّه لو أنْشَد بَيْت الطِّرْمَاح بخَفْضِ " القِسِيِّط ورفع " الكَنَائِنِ " لم يَجُز ؛ لأن القَوافِي مَجْرُورة بِخِلاف بَيْت الأخْفَش ؛ فإنه لو خفض " القَلُوص " ورَفع " أبُو مَزَادَة " لم تَخْتَلِف فيه قَافيِتَه ولمْ يَنْكَسِر وَزْنَه.
قال شهاب الدِّين : ولو رفع " الكَنَائِن " في البيت، لكان جَائِزاً وإن كانتِ القوافي مَجْرُورة، ويكُون ذلك إقْوَاءً، وهو أن تكُون بَعْضُ القَوَافي مَجْرُورة وبَعْضُها مَرْفُوعة ؛ كقول امرئ القيس :[الكامل] ٢٣٤١ - جَالَتْ لِتصْرَعَنِي فَقُلْتُ لَهَا اقْصِري
إنِّ امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٤٤
قالميمُ مَحْفُوضة في الأوَّل، مَرْفُوعة في الثَّاني.
فإن قيل : هذا عَيْبٌ في الشِّعْر.
قيل : لا يتقاعد ذلك عن أنْ يَكُون مِثْل هذه للضَّرُورةَ، والحقُّ أن الإقْواء أفْحَشُ
٤٥١
وأكثر عَيْباً من الفَصْل المَذْكُور، و من ذلك أيضاً :[الوافر] ٢٣٤٢ - فإنْ يَكُنِ النِّكَاحُ أحَلِّ شَيءٍ
فإنَّ نِكَاحَهَا مَطَرٍ حَرَامُ


الصفحة التالية
Icon