فصل فيما كان محرماً بمكة قال القرطبي :" هذه الآية الكَرِيمة مَكِّيَّة، ولم يَكُن في الشَّريعة في ذلك الوَقْت مُحَرَّم غير هذه الأشْيَاء، ثم نزلت سُورة " المائدة " بـ " المدينة " وزيد في المُحَرَّمات ؛ كالمُنْخَنِقَة، والموْقُوذَة والمُتَرَدِّية، والنَّطِيحَة، والخَمْر، وغير ذلك، وحرَّم رسُول الله ﷺ بالمَدِينَة أكْلَ كلِّ ذي نَابٍ من السِّبَاع، ومِخْلَب من الطِّيْر ".
٤٨٤
فصل في معنى الدم المسفوح قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - : يريد بالدَّم المَسْفُوح : ما خَرَج من الحيوان وهي أحْيَاء، وما يَخْرُج من الأوْدَاج عن الذَّبْح، ولا يَدْخُل فيه الكَبد والطُّحال ؛ لأنهما جَامِدَات وقد جاء الشَّرْع بإباحَتِهما، وما اخْتلط باللَّحم من الدَّم ؛ لأنه غير سَائل.
قال عِمْرَان بن حُدير :" سألْت أبا مجلز عمَّا يَخْتَلِطُ باللَّحْم من الدَّمِ، وعن القِدْر يُرَى فيها حُمْزة الدِّمِ، فقال : لا بَأسَ به، إنما نُهِي عن الدَّمِ المَسْفُوح ".
قال إبْرَاهيم :" لا بأسَ بالدَّم في عِرْق أوْ مُخَّ، إلاَّ المَسْفُوح الذي يتعمد ذلك ".
قال عكرمة :" لوْلا هَذِه الآية لاتَّبع المُسْلِمُون من العُرُوق ما تَتبع اليَهُود ".
وقوله :﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أي : حَرَامٌ، والهاء " في " فإنَّه " الظاهر عَوْدُها على " لَحْمَ " المضاف لـ " خَنْزير ".
وقال ابن حزم : إنها تعُود على خنزير ؛ لأنه أقَرْب مَذْكُور.
ورُجِّحَ الأوَّل : بأنَّ اللَّحم هو المُحَدِّث عنه، والخِنْزير جاء بعَرْضِيَّة الإضافة إليه، ألآ ترى أنَّك إذا قُلْت :" رأيت غُلام زَيْد فأكْرَمْتُه " أنَّ الهاء تعُود على الغُلام ؛ لأنه المُحَدَّث عنه المَقْصُود بالإخْبار عنه، لا على زَيْد لأنه غير مَقْصُود.
ورُجِّح الثاني : بأن التَّحْريم المُضَاف إلى الخَنْزير ليس مُخْتَاً بلحمه، بل شَحْمه وشَعْره وعَظْمِه وظلفه كذلك، فإذا أعَدْنَا الضَّمِير على خنزير، كان وافياً بهذا المَقْصُود، وإذا أعدْنَاهُ على لحم، لم يكن في الايةِ الكريمة تَعَرُّضٌ لتَحْرِيم ما عَدَا اللَّحم ممَّا ذكر.
وأُجيب : بأنَّه إنما اللَّحْم دون غيره، - وإن كان غيره مَقْصُوداً بالتحريم - ؛ لأنَّه أهَمُّ ما فيه، وأكثر ما يُقْصَد منه اللَّحم كَغَيره من الحَيَوانات - على هذا فلا مَفْهُوم لتَخْصِيص اللَّحْم بالذِّكر، ولو سَلَّمَه، فإنه يكون من باب مَفْهُوم اللَّقَب، وهو ضَعِيف جداً.
وقوله :" فإنَّهُ رِجْسٌ " إمَّا على المُبَالغَة بأن جُعِلَ نَفْسَ الرِّجْس، أو على حَذْف مضافٍ، وله نَظَائر.
قوله :" أوْ فِسْقاً " فيه ثلاثة أوجُه : أحدها : انه عَطْف على خَبَر " يَكُون " أيضاً، أي : إلا أن يكُون فِسْقاً.
و " أهلَّ " في
٤٨٥
محل نصب ؛ لأنه صِفَة له ؛ كأنه قيل : أو فِسْقاً مُهَلاً به لِغَيْر اللَّه، جعل العَيْن المُحُرَّمَة نَفْس الفِسْق ؛ مُبَالغَة، أو على حَذْف مُضَافٍ، ويُفَسِّره ما تقدَّم من قوله :﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام : ٢١] الثاني : أنه مَنْصُوب عَطْفا على محلِّ المسْتَثْنَى، أي : إلا أنْ يكون مَيْتَة أو إلاَّ فِسْقاً، وقوله :" فإنَّه رِجْسٌ " اعْتِرَاض بين المُتعاطِفَيْن.
والثالث : أن يكون مَفْعُولاً من أجْلِه، والعَامِل فيه قوله :" أهِلَّ " مقدَّمٌ عليه، ويكون قد فَصَل بين حَرْف العَطْفِ وهو " أوْ " وبَيْن المَعْطُوف وهو اجملة من قوله :" أهِلَّ " بهذا المَفْعُول من أجْلِه ؛ ونظيره في تَقْدِيم المَفْعُول له على عَامِلهِ قوله :[ الطويل] ٢٣٧٠ - طَرِبْتُ وَمَا شَوْقاً إلى البيضِ أطْربُ
وَلاَ لِعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٨٢
و " أهِلَّ " على هذا الإعْرَاب عَطْفٌ على " يكون " والضَّمِير في " به " عائدٌ على ما عَادَ عليه الضَّمِيرُ المُسْتَتِر في " يَكُون "، وقد تقدم تَحْقِيقه، قاله الزمخشري.
إلاَّ أن أبا حيَّان تعقَّب عليه ذلك ؛ فقال :" وهذا إعْرَاب متكَلِّفٌ جداً، وترْكِيبُه على هذا الإعارب خارج عن الفَصَاحةِ، وغير جَائزٍ على قراءة من قرأ " إلا أنْ يكُون مَيْتَةٌ " بالر‍َّفْع، فيبقى الضَّمير في " به " لَيْس له ما يَعُود عليه، ولا يجوز أن يُتكَلَّف مَحْذُوف حتى يَعُود الضَّمير علي، فيكون التَّقْدير : أو شَيءٌ أهِلَّ لِغَيْر الله به، لأن مِثْل هذا لا يَجُوز إلاَّ في ضَرُورة الشِّعْر ".
قال شهاب الدِّين : يَعْنِي بذلك : أنَّه لا يُحْذَف الموصُوف والصِّفَة جُمْلَةً، إلا إذا كان في الكلام " مِنْ " التَّبْعِيضيَّة ؛ كقولهم " " مِنَّا ظَعَنَ ومنَّا أقَام " أي : منا فَريقٌ ظعن، ومنَّا فَرِيقٌ أقَام فإن لم يكن فيه " مِنْ " كان ضَرورة ؛ كقوله :[الزجر]
٢٣٧١ - تَرْمِي بِكَفِّيْ كانَ مِنْ أرْمَى البَشَرْ


الصفحة التالية
Icon