أي : تَذْهَب بالمَالِ، " تَنَبَّلَتْ بما عِنْدي " : أي ذهبت به، معنى الآية الكريمة : لا تَقْتُلوا أولادكم خَشْيَة العَيْلَة.
وفي هذه الآية الكريمة قال : طنحن نَرْزُقُكم وإيَّاهُم " فقدَّم المُخَاطبين، وفي " الإسراء " : قدّم ضَمِير الأولاد عليهم : فقال :" نحن نَرْزُقُهُم وإيَّاكُم " فقيل : للتَّفَنُّنِ في البلاغة.
وأحسن منه أن يقال : الظَّاهِر من قوله :" مِنْ إمْلاقٍ " حصُول الإمْلاق للوَالِد لا توقُّعُه وخشْيَتُه، فبُدِئ أوَّلاً بالعَدَةِ برزق الآبَاء ؛ بشَارة لَهُم بزَوَال ما هُم فيه من الإمْلاق.
وأمّا في آية " سبحان " [الإسراء : ١] فظاهرها أنهم موسرون وإنما يخشون حُصُول الفَقْر ؛ ولذلك قال : خَشْيَةَ إمْلاق، وإنما يُخْشَى الأمُور المُتَوَقَّعَة، [فبدأ فيها بِضَمَان رِزْقَهم، فلا مَعْنَى لقتلكم إيَّاهم، فهذه الآية تُفِيد النَّهْي] للآباء عن قَتْل الأولاد، وإن كانوا مُتَلَّبِّسِين بالفَقْر، والأخْرَى عن قَتْلِهم وإن كانوا مُوْسِرين، ولكن يَخًافُون وُقُوع الفَقْر، وإفادة معنى جَدِيدٍ أوْلى من ادِّعاء كون الآيَتَيْنِ معنى واحدٍ للتَّأكِيد.
فصل في حكم العزل قال القرطبي : استدل بَعْضُهم بهذه الآية الكريمة على منع العَزْلِ ؛ لأن قتل الأولادِ رفع للمَوْجُود، والعَزْل منعٌ لأصْل النَّسْل فتشابهان إلا أن قَتْل النَّفْس أعظمُ وِزْراً، وأقبحُ فِعْلاً، ولذلك قال بعض العلماء : إنه يُفْهم من قوله - عليه الصلاة والسلام - :" لا عَلَيْكُم في
٥٠٩
العَزْل الوَأد الخَفِيّ " الكراهة لا التَّحْرِيم، وقال به جماعة من الصَّحابة وغيرهم، وقال بإبَاحَتِه أيضاً جماعة من الصَّحابة والتَّابعين والفُقَهاء ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" لا عَلَيْكُم ألاَّ تَفْعَلُوا فإنِّمَا هُو القَدَر " أي : ليس عَلَيْكُم جُنَاحٌ في ألا تَفْعَلُوا ".
وقال جابر :" ما ظَهَرَ مِنْهَا وما بَطَن " في محلِّ نصب بدَلاً من الفواحِشِ بدل اشْتمالَ]، أي : لا تقْرَبُوا ظاهِرهَا وباطنها ؛ كقولك : ضَرْبتُ زَيْداً ما ظهر مِنه وما بَطَن، ويجوز أن تكُون " مَنْ " بدل البَعْض من الكُلِّ.
و " منها " متعلِّقٌ بمَحْذُوف ؛ لأنه حال من فاعل " ظَهَر " وحذف " منها " بعد قوله " بطن " لدلالة قوله " مِنْهَا " في الأوَّل عليه، قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - :" كانوا يَكْرَهُون الزِّنَا علانية وسِرّاً ".
وقال الضَّحَّاك :" ما ظهر : الخمر، ومابطن الزنا " والأولى أ، يُجْرَى النَّهْي على عُمُومه في جَمْيع الفواحِشِ، ظاهر وباطها، لا يُخَص بنوع مُعَيَّن.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ﴾ الآية.
فقوله :" إلاَّ بالحقِّ " في محلِّ نَصْب على الحالِ من فاعل " تَفْتُلُوا " أي : لا تَقْتُلُوا إلاَّ مُتَلَبِّسِين بالحق، ويَجُوز أ، يكون وَصْفاً لمصدر مَحْذُوف، أي : إلاَّ قَتْلاً متلَبساً بالحقِّ، وهو أن يكون القَتْل للقِصَاصِ، أو للرِّدَّة أو للزنا بشرطة، كما جاء مبنياً في السُّنَّة.
٥١٠
قال القرطبي : وتَارك الصَّلاة، ومَانِع الزَّكَاة، وقد قتل الصَّدِّيق مانع الزَّكَاة، وقال - تعالى - ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة : ٥].
قوله :" ولا تَقْتُلُوا " هذه شبيه بذكر الخاصِّ بعد العامِّ اعتناءً بِشَأنهِ ؛ لأن الفَواحِش يَنْدَرج فيها قَتْل النَّفْس، فجرَّد منها هذا اسْتِفظَاعاً له وتَهْويلاً ؛ ولأنَّه قد استَثْنَى منه في قوله :" إلاَّ بالحقِّ " ولو لم يَذْكر هذا الخَاصَّ، لم يَصِحَّ الاستِثْنَاء من عُمُوم الفَوَاحش، لو قيل في غَيْر القُرآن العظيم :" لا تَقْرَبُوا الفواحش إلا بالحقِّ " لم يكن شيئاً.
قوله :" ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ به " في الجُمْلَة الفِعْليَّة بعده.
والثاني : أنه في محلِّ نصب بفعل مُقدَّر من مَعْنَى الفِعْل المتأخر عنه، وتكون المَسْألة من باب الاشْتِغَال، والتقدير : ألزَمَكُم أو كَلَّفَكُم ذلك، ويكون " وصَّاكُمْ بِهِ " مفسِّراً لهذا العَامِل المقدَّر ؛ كقوله - تعالى - :﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان : ٣١] ونَاسَب قوله هنا :" لَعَلَّكُم تَعْقِلُون " لأن العقل مَنَاط التَّكْليف والوَصيَّة بهذه الأشْيَاء المَذْكُورة.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥٠٣