عَاهَدَهكم اللَّهُ عليه، وأن يكُون [مُضافاً لمفعُوله، أي : بما عاهدتم اللَّه عليه ؛ كقوله :﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب : ٢٣] ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ﴾ [الفتح : ١٠] وأن تكون] الإضافة لمجرد البيان، أُضَيفَ إلى اللَّه - تعالى - من حَيْثُ إنه الآمِرِ بِحِفْظِهِ والمراد به العَهْد الواقع بين الآيَتَيْن.
فإن قيل : ما السَّبَبُ في أن خَتْمَ الآية الكريمة بقوله :" تَذَكَّرُون " وخاتمة الأولى " تَعْقِلُونَ ".
فالجواب لأن الأربعة قَبْلَها خَفِيَّة، تحتاج إلى إعمال فِكْر ونظر، حتى يقف مُتَعاطيها على العَدْل، فناسبها التذكير، وهذا بخلاف الخمسة الأشياء فإنها ظاهرة تعلقها وتَفْهَمُها ؛ فلذلك ختمتْ بالفعل.
" تَذَكرُون " حيث وَقَع، يقرؤه الأخوان وعَاصِم في رواية حَفْصِ بالتَّخْفِيف، والباقون بالتَّشْدِيد، والأصْل :" تَتَذَكِّرُون " فمن خَفَّف، حذف إحْدى التَّاءَيْن، وهل هِي تاءُ المُضراعة أو تاء التَّفْعُل ؟ خلاف مَشْهُور، ومن ثقَّل، أدْغَم التَّاء في الدَّال.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥١١
قوله :" وأنَّ هَذَا " قرأ الأخوان : بكَسْر " إنّ " على الاسْتِئْنَاف أو يكون " أتل " بمعنى : أقول إن هذا، و " فاتبعوه " جملة معطوفة على الجُمْلَة قَبْلَها.
وهذه الجملة الاستِنئْنَافيَّة تفيد التَّعْلِيل لقوله :" فاتَّبِعُوه "، ولذلك اشْتَشْهَد بها الزَّمَخْشَري على ذلك كما تقدَّم، فعلى هذا يَكُون الكلام في الفاء في " فاتَّبِعُوهُ " كالكلام فِيهَا في قِرَاءة غيرها، وسيأتي.
وقرأ بان عامر :" وأنْ " بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بالفتح أيضاً والتَّشْدِيد.
فأمَّا قرءاة الجماعة ففيها أربعة وُجُوه : أحدها : وهو الظَّاهِر - : أنها في محلِّ نصب نسقاً على ما حرَّم، أي : أتْل ما حرَّم،
٥١٥
وأتل أنْ هذا صِرَاطي مُسْتَقِيماً، والمراد بالمُتَكَلِّم النبي ﷺ ؛ لأنه صِرَاطَه صِرَاط اللَّه - عز وجل -، وهذا قول الفرَّاء - قال :" بفَتْح " أنْ " مع وُقُوع " أتْل " عليها، يعني : أتْلُ عليْكم أنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ".
والثاني : أنها مَنْصُوبة المحلِّ أيضاً نَسَقاً على " ألاَّ تُشْرِكُوا " إذا قُلْنَا بأنَّ " أنْ " المصديَّة " وأنَّها وما بعدها بدل من " ما حرَّم " قاله الحُوفِيُّ.
الثالث : أنها على إسْقَاطِ حَرْف لام العِلَّة، أي : ولأن هذا صِرَاطي مستَقيماً فاتبعوه ؛ كقوله - تعالى - ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن : ١٨].
قال أبو عَلِيّ : من فتح " أنَّ فَقِيَاس قول سبيويه - رحمه الله تعالى - أنه حملها على " فاتِّبعُوه " والتقدير : ولأن صِرَاطي مُسْتَقيِماً فاتِّبْعُوه ؛ كقوله :﴿وَإِنَّ هَـاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون : ٥٢].
قال سيبويه :" ولأنَّ هَذِه أمَّتُكُم " وقال في قوله - تعالى - : و " أنَّ المساجِدَ لِلَّه " : ولأنَّ المَسَاجِد.
قال بعضهم :" وقد صرَّح بهذا اللام في نَظِيره هذا التَّرْكيب ؛ كقوله - تعالى :﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُواْ﴾ [قريش : ١ - ٣] والفاء على هذا كَهيِ في قولك : زيداً فَاضِرب، وبزيد فَامْرُو، وتقدم تَقْرِيره في البقرة.
قال الفَارسِي : قِيَاس قوله سيبويه في فتح الهَمْزَة أن تكُون الفَاء زَائِدة كَهِي في " زَيْد فقَائم ".
قال شهاب الدِّين - رحمه الله تعالى - :" سيبويه لا يَجُوِّز زيادَتَها في مِثْل هذا الخَبَر، وإنما أراد أبُو عَلِيِّ بنظيرها في مُجَرَّد الزِّيَادة وإن لم يَقُل به، بل قال به غَيْره ".
والرابع : أنها في محلِّ جرِّ نسقاً على الضَّمِير المَجْرُور في " بِهِ " أي :" ذلكم وصَّاكُم به " وبأنَّ هذا هو قول الفراء أيضاً.
وردّه أبو البقاء بوجْهَيْن : أحدهما : أنه يَصِير المَعْنى : وصَّاكُم باسْتِقَامة من غَيْر إعادة الجارِّ.
الثاني : أنه يَصِير المَعْنَى : وصًّاكُم باسْتِقَامة الصِّراط، وهذا فاسد.
قال شهاب الدِّين : والوجهان مردُودَان : أما الأوَّل : فليس هذا من باب العَطْف على المُضْمَر من غير إعضادة الجارِّ ؛ لأن
٥١٦