ضَعِيفاً ؛ كأنه استَشْعَر ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشري، ففرَّ من جَعْلِها نَعْتاً، وأبو حيَّان جعل الحال بَعِيداً، والاسِتئْنَاف أبْد منه.
ثم قال - تعالى - ﴿قُلِ انتَظِرُوا ااْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ وهذا وَعِيدٌ وتهديد.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥٢٥
وقرأ الأخوان :" فَارَقُوا " من المُفَارَقة.
قال القرطبي - رحمه الله عليه - :" وهي قِرَاءة عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - من المُفَارقة والفِرَاق، على مَعْنَى : أنَّهُم تركوا دينَهُم وخَرَجُوا عنه، وكان عَلِيٌّ - كرم الله وجهه - يقول : والله ما فَرَّقُوه، ولكن فَارَقُوه ".
وقال شهاب الدِّين : فيها وجهان : أحدهما : أن " فَاعَل " بمعنى : فعَّل، نحو ضاعَفْتُ الحساب، وضعَّفته.
وقيل : هي من المُفَارَقَة، وهي التَّرْك، والتَّخْلِية، ومن فرَّق دينَهُ ؛ فآمن بِبَعْض وكفر ببعض، فقد فَارَقَ الدِّين القيم.
وقرأ الباقون :" فرَّقوا " بالتَّشْديد، وقرأ الأعمش، وأبو صالح، وإبراهيم، :" فرَقُوا " مخفف الراء.
قال أبو البقاء :" وهو بمعنى المُشَدَّد، ويجُوز أن يكُون بمعنى : فَصَلُوه عن الدِّين الحقِّط وقد تقدَّم معنى الشِّيع، أي : صَارُوا فِرقاً مختلفة.
قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - : يريد : المُشْركين، بعضهُم يَعْبُدون الملائكة، ويَزْعُمون أنَّهم بنات اللَّه، وبعضُهم يَعْبدون الأصْنَام، ويقولون :" هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله " و " كانوا شِيَعاً " أي : فِرَقاً وأحزاباً في الضَّلالة.
وقال مُجاهدٌ، وقتادة : هم اليَهُود والنَّصَارى ؛ لأن النَّصَارى تفرَّقوا فِرَقاً، ويُكَفِّر بعضهم بعضاً، واليهُود أخَذُوا ببعض الكتاب، وتركوا بعضه.
وقيل : هم أهْل البِدَع والشُّبُهَات من هذه الأمَّة وروى عُمَر بن الخطَّاب - رضي الله
٥٣٠
عنه - أنَّ رسُول الله ﷺ قال لعائشة - رضي الله عنها - :" يا عائشةُ! إنَّ الذينَ فَرَّقُوا دينَهُم وكانُوا شِيعَاً هُمْ أصْحَابُ البدعِ وأصْحَابُ الأهْوَاءِ من هذه الأمَّةِ ".
وروى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ﷺ :" إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تفرَّقَتْ على اثْنَيْنِ وسَبْعِين ملَّة، وتفرَّفَت أُمَّتِي على ثلاثٍ وسبْعين ملَّة كُلُّها في النَّارِ إلاَّ واحِدة، قال : من هِيَ يا رسُول الله ؟ قال :" ما أنا عَلَيه وأصْحَابي ".
قوله :" لست منهم في شيء ".
" لَسْت " : في محلِّ رفع خبراً لـ " إنّ "، و " مِنْهُم " : هو خبر " لَيْسَ " إذا بِه تتم الفَائِدة ؛ كقوله النابغة :[الوافر] ٢٣٩٤ - إذا حَاوَلْتَ فِي أسَدٍ فُجُورا
ً فإنِّي لَسْتُ مِنْكَ ولَسْتَ مِنِّي
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥٣٠
ونظيرُه [في الإثْبَات] :" ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم : ٣٦].
وعلى هذا، فيكُون " فِي شَيْءٍ " متعلِّقاً بالاسْتِقْرَار الذي تعلَّق به مِنْهُم، أي : ليست مُسْتَقِرّاً منهم في شيء، أي مِنْ تَفْرِيقهم.
[ويجُوز أن يَكُون " فِي شيءٍ " : الخبر، " ومِنْهُم " : حال مُقدِّمة عليه، وذلك على حَذْفِ مُضافٍ، أي : لَسْت في شيءٍ كَائِن من تَفْرِيقهم]، فلمَّا قُدِّمت الصِّفَة نصبت حالاً.
فصل في المراد بالآية في المَعْنَى قولان : الأول : إذا أُريد أهل الأهْوَاء، فالمَعْنَى : أنت بَرِيءٌ منهم، وهم مِنْكَ بَرَاءُ، أي : إنَّك بعيد عن أهْوَائِهِهم ومَذاهِبِهم، والعِقَابُ اللاَّزم على تِلْك الأبَاطيل مَقْصُورة عَلَيْهم لا يتعدَّاهم.
وإن أُريد اليَهُود والنَّصَارى.
قال السُّدِّيُّ :" معناه : يقولون يُؤمَر بِقتَالِهم ؛ فلما أمر بِقِتَالِهِم نُسِخ " وهذا بعيد ؛ لأن المعنى : لَسْت من قِتَالِهِم في هذا الوَقْتِ في شَيْءٍ ؛ فوُرُده الأمْر بالقِتَال في وَقْتٍ آخَر، لا يُوجب النَّسْخ.
ثم قال :" إنَّما أمْرُهُم إلى اللَّه " يعني : في الجَزَاء، والمُكَافأة، والإمْهَال، " ثم يُنَبِّئُهُم بما كَانُوا يَفْعَلُون " والمراد : الوعيد.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥٣٠
إنما ذكّر العدد والمَعْدُود مذكَّر، لأوجه :
٥٣١
منها : أن الإضافة لها تَأثِير كما تقدَّم غيْر مرَّة ؛ فاكسب المُذَكَّر من المؤنَّث التَّأنيث، فأعْطِي حُكْم المؤنَّث من سُقُوط التَّاء من عَدَدِه، ولذلك يُؤنَّث فعله حالة إضافته لِمُؤنَّثٍ نحو :﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف : ١٠].
وقوله :[الطويل] ٢٣٩٥ -............
كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنْ الدَّمِ
وقوله :[الطويل] ٢٣٩٦ -.............
تَسَفًّهَتْ أعَالِيهَا مَرُّ الرِّبيعِ النَّواسِمِ
إلى غير ذلك مما تقدَّم تَحْقِيقه.
ومنها : أنَّ المذكر عِبَارة عن مُؤنَّثٍ، فرُوعِي المُرَاد دُونَ اللَّفْظ، وعليه قوله :[الطويل] ٢٣٩٧ - وإنَّ كِلاَباً هذه عَشْرُ أبْطُنٍ
وأنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قِبَائِلِهَا العَشْرِ