الرابع : أن تكون " عَلَى " بمعنى " الباء "، وبهذا الوجه قال أبو الحسن والفراء والفارسيُّ، قالوا : إنَّ " على " بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى " على " في قوله :﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ [الأعراف : ٨٦] أي : على كلٍّ.
وقال الفرَّاءُ : العرب تقول : رَمَيْتُ على القوس وبالقوس وجئتُ على حالٍ حسنة وبحال حسنة، وتؤيده قراءة أبيّ والأعمش " حقيق بأن لا أقول " إلاَّ أنَّ الأخفش قال :" وليس ذلك بالمطَّرد لو قلت :" ذهبتُ على زيْدٍ " تريد :" بزيدٍ " لم يجز "، وأيضاً فلأن مذهب البصريِّين عدم التجوُّزِ في الحُرُوفِ.
الخامس :- وهو الأوجه والأدخل في نكت القرآن - أن يغرق موسى - عليه الصلاة والسلام - [في وصف نفسه] بالصِّدْق في ذلك المقام لا سيما وقد رُوِيَ أنَّ فرعون - لعنه الله - لمَّا قال موسى : إنِّي رسول من رب العالمين قال له : كذبت فيقول : أنا حقيقٌ على قول الحقِّ أي : واجب عليَّ قول الحقِّ أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يَرْضى إلاَّ بمثلي ناطقاً به.
قال أبُو حيَّان : ولا يصحُّ هذا الوجه إلاَّ إن عنى أنه يكون " أن لا أقُول " صفة له كما تقول : أنَا على قول الحقِّ أي : طريقتي وعادتي قول الحقّ.
السادس : أن تكون " على " متعلقة بـ " رَسُول ".
قال ابن مقسم : حقيقٌ من نعت " رَسُول " أي رسول حقيق من ربِّ العالمين أرْسِلْتُ على ألاَّ أقولَ على الله إلا الحقَّ، وهذا معنى صحيح واضحٌ، وقد غفل أكثرُ المفسرين من أرباب اللُّغَة عن تعليق " على " بـ " رسول "، ولم يخطر لهم تعليقه إلاَّ بـ " حقيق ".
قال أبُو حيَّان : وكلامه فيه تَنَاقضٌ في الظَّاهِرِ ؛ لأنَّهُ قدَّر أولاً العامل في " عَلَى " " أرسلت " وقال أخيراً :" لأنهم غفلوا عن تَعْليق " على " بـ " رسول "، فأمَّا هذا الأخير فلا يجوزُ عند البصريين ؛ لأنَّ رسولً قد وُصِف قبل أن يأخذ معموله، وذلك لا يَجُوزُ، وأمَّا تعليقه بـ " أرسلت " مقدَّراً لدلالةِ لفظ " رَسُوله " عليه فهو تقديرٌ سائغ.
ويتأوَّل كلامه أنَّه أراد بقوله تُعَلَّقُ " على " بـ " رسول " أنه لمَّا كان دالاًّ عليه صحَّ نسبة التَّعلق له.
قال شهابُ الدِّين :" وقال أبُو شامَةَ بعد ما ذكر هذا الوجه عن ابن مقسم :
٢٤٧
والأوْجهُ الأربعةُ التي للزمخشريِّ ولكن هذه وجوهٌ متعسِّفةٌ، وليس المعنى إلاَّ على ما ذكرته أوَّلاً، يعني وجه ابن مقسم، وهذا فيه الإشكال الذي ذكره الشيخ يعني أبا حيَّان يعني من إعمال اسم الفاعل أو الجاري مجراه وهو موصوفٌ ".
وأمَّا قراءة نافع فواضحةٌ وفيها ثلاثةُ أوجُهٍ : أحدها : أن يكون الكلامُ قد تم عند قوله :" حقيق "، و " عليَّ " خبر مقدَّمٌ، " ألاَّ أقُولَ " مبتدأ مؤخر، كأنَّهُ قيل : عليَّ عدم قول غير الحقِّ أي : فلا أقُولُ إلا الحقَّ.
الثاني : أن يكون " حَقِيقٌ " خبراً مقدماً، و " ألاَّ أقولَ " مبتدأ على ما تقدَّم بيانه.
الثالث :" أن لا أقول " فاعلٌ بـ " حقيقٌ " كأنَّهُ قيل : يحقُّ ويجبُ أن لا أقول، وهذا أغربُ الوُجُوهِ لوضُوحِهِ لفظاً ومعنى، وعلى الوجهين الأخيرين تتعلَّق " عليَّ " بـ " حقيقٌ " لأنَّك تقول :" حقَّ عليهِ كذا " قال تعالى :﴿أُوْلَـائِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف : ١٨].
وعلى الوجْهِ الأوَّلِ يتعلَّق بمحذوف على ما تقرر.
وأمّا رفع " حقيقٌ " فقد تقدَّم أنَّهُ يجوز أن يكون خَبَراً مقدَّماً، ويجوز أن يكون صفةً لـ " رَسُول "، وعلى هذا فيضعف أن يكون " مِنْ رب " صفةً لئلا يلزم تقديم الصفة غير الصّريحَة [على الصَّريحة]، فينبغي أن يكون متعلّقاً بنفس " رَسُول "، وتكون " مِنْ " لابتداء الغاية مجازاً.
ويجوز أن يكون خبراً ثانياً.
ويجوز أن يكون مبتدأ وما بعده الخبر على قراءة من شددَّ الياء، وسوَّغَ الابتداء بالنكِرَةِ حينئذٍ تعلُّق الجارِّ بها.
فقد تحصَّل في رفعه أربعة أوجُهٍ، وهل هو بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول ؟ الظَّاهِرُ أنَّهُ يحتمل الأمرين مُطْلَقاً، أعني على قراءة نَافِعٍ وقراءة غيره.
وقال الوَاحِدِيُّ نَاقِلاً عن غيره :" إنَّهُ مع قراءةِ نافع محتمل للأمرين، ومع قراءة العامَّةِ بمعنى مفعول فإنَّهُ قال :" وحقيقق على هذا القراءةِ - يعني قراءة نَافِعٍ - يجوز أن يكون بمعنى فاعل ".
قال شمرٌ :" تقولُ العربُ : حقَّ عليَّ أن أفعل كذا ".
وقال الليثُ :" حقَّ الشَّيء معناه وجب، ويحقُّ عليك أن تفعله، وحقيق عليَّ أنْ أفعله، فهذا بمعنى فاعلٍ " ثم قال : وقال اللَّيْثُ : وحقيقٌ بمعنى مفعول، وعلى هذا تَقُولُ : فلان محقوقٌ عليه أن يفعل.
قال العشى :[الطويل] ٢٥٣٧ - لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ
وَأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعَانَ مُوَفَّقْ
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٤٦
٢٤٨
وقال جريرٌ :[البسيط] ٢٥٣٨ -...........................
قَصَّرْ فَإنَّكَ بالتَّقْصيرِ مَحْقُوقُ