وهو مُتَعَدٍّ بنفسه، فأمَّا قوله :﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [محمد : ١٠] بمفعولُه محذوفٌ، أي : خَرَّب عليهم منازلهم وبُيُوتَهم.
وقوله :﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ أي : في أرض مصر من العمارات.
قوله :" يَعْرِشُونَ " قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم هنا وفي النَّحل ﴿يَعرُشُونَ﴾ بضم الرَّاءِ.
والباقون بالكسر فيهما، وهما لغتانِ :" عَرَشَ الكرمَ يَعْرِشُهُ ويَعْرُشُهُ.
والكَسْرُ لغة الحِجَازِ.
قال اليَزِيديُّ : وهي أفصحُ.
وقال مُجاهدٌ : ما كانُوا يبنون من القصور والبيوت.
وقُرئ شاذّاً بالغين المعجمةِ والسِّين المهملة، من غَرْس الأشجَار.
وقال الزمخشري وبلغني أنه قرأ بعض الناس يعرشون من عرش وما أظُنّه إلاّ تصحيفاً.
وقرأ ابن أبي عبْلَةَ يُعَرِّشُونَ بضمِّ الياء وفتحِ العين، وكسرِ الرَّاءِ مشدَّدَةً على المُبالغة والتَّكثير.
وهذا آخر قصةِ فرعونَ.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٧٤
قوله :﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَآئِيلَ﴾ كقوله :﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة : ٥٠] من كونِ الباء يجوز أنْ تكون للتَّعدية، وأن تكون للحاليَّة، كقوله :[الوافر] ٢٥٦٥ -..........................
تَدُوسُ بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا
وقد تقدَّم.
و " جاوز " بمعنى : جاز، فـ " فاعل " بمعنى " فَعَل ".
وقرأ الحسنُ، وإبراهيم، وأبو رجاء ويعقوب جَوَّزْنَا بالتِّشْديدِ وهو أيضاً بمعنى " فَعَلَ " المجردِ كـ قَدَرَ وقَدَّر.
قوله : يَعْكُفُونَ صفة لـ " قَوْم ".
وقرأ الأخوان " يَعْكِفُونَ " بكسر الكاف، وتروى
٢٩٢
عن ابي عمرو أيضاً، والباقون بالضمِّ، وهما لغتان في المضارع كـ " يَعْرشُون ".
وقد تقدَّم معنى " العكوف " واشتقاقه في البقرة.
قال قتادة : كان أولئك القومُ من لَخْم، وكانُوا نُزولاً بالرِّقَّةِ.
وقال ابنُ جريج : كانت تلك الأصْنَام تماثيل بقر، وذلك أول شأن قصة العِجْلِ.
قال الكلبيُّ : عبر بهم موسى البَحْرَ يومَ عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه، فصاموه شكراً للَّه عزَّ وجلَّ.
قوله :﴿قَالُواْ يا مُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَـاهاً﴾ أي : مثالاُ نعبده.
ولم يكن ذلك شكّاً من بني إسرائيل في وحدانية اللَّهِ، وإنَّمَا معناه : أجعل لنا شيئاً نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى اللَّهِ، وظَنُّوا أنَّ ذلك لا يضر الدِّيانة، وكان ذلك لشدَّة جهلهم، لأنَّ العبادة غاية التَّعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وهو خالقُ الجسمِ، والحياةِ والقدرةِ، والعقلِ، والأشياءِ المنتفع بها.
وليس ذلك إلاَّ الله تعالى.
فصل واعْلَمْ أنَّ هذا القولَ لم يصدر عن كلّهم، وإنَّما صدرَ من بعضهم ؛ لأنَّه كان مع موسى السبعون المُختارون، وفيهم من يرتفعُ عن مثل هذا السُّؤالِ.
قوله كمَا لَهُمْ آلِهَةٌ الكافُ في محلِّ نصب صفة بـ " إلهاً "، أي : إلهاً مماثلاُ لإلههم.
وفي " ما " ثلاثةُ أوجه : أحدها : موصولةٌ حرفية، أي : تتأوَّلُ بمصدرِ، وعلى هذا فصلتُهَا محذوفة، وإذا حُذِفَتْ صلة " ما " المصدريَّة، فلا بدَّ من إبقاء معمولِ صلتها، كقولهم : لا أكلِّمكَ ما أنَّ حِرَاءَ مَكَانَهُ، أي : ما ثَبَتَ أنَّ حِرَاءَ مكانه، وكذا هنا تقديره : كما ثبت لهم آلهة، فـ " آلهة " فاعل " ثبت " المقدر، أي : كما أنَّ " أنَّ " المفتوحةَ في المثالِ المتقدم فاعل " ثبت " المقدر.
وقال أبُو البقاءِ - هذا الوجه - ليس بجيد " والجملة بعدها صلةٌ لها، وحسَّن لك أنَّ الظرف مقدَّرٌ بالفعل ".
فصل قال شهابُ الدِّينِ : كلامُهُ على ظاهِره ليس بجيِّد ؛ لأنَّ " ما " المصدريةَ لا تُوصَلُ بالجملة الاسمية على المشهور، وعلى رأي مَنْ يُجَوِّز ذلك، فيشترط فيها غَالِباً أن تُفْهِم الوقت كقوله :[الكامل]
٢٩٣
٢٥٦٦ - وَاصِلْ خِلِيلَكَ ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ
فلأنْتَ أوْ هُوَ عَنْ قَرِيبٍ ذَاهِبُ
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٩٢
ولكنَّ المراد أنَّ الجارَّ مقدَّرُ بالفعل، وحينئذٍ تؤولُ إلى جملةٍ فعليّة، أي : كما استقرَّ لهم آلهةٌ.
الثاني : أن تكون " ما " كافَّةً لكاف التَّشبيه عن العمل، فإنَّهَا حرفُ جر، وهذا كما تُكَفُّ رُبَّ فيليها الجملُ الاسميَّة، والفعليَّة، ولكن ليس ذلك على سبيل الوجوب، بل يجوزُ في الكافِ وفي " رُبَّ " مع " ما " الزَّائدة بعدهما وجهان : العَمَلُ والإهمالُ، وعلى ذلك قول الشَّاعر :[الطويل] ٢٥٦٧ - وَنَنْصُرُ مَوْلانَا ونَعْلَمُ أنَّهُ
كَمَا النَّاس مَجْرُومٌ عَليْهِ وجَارِمُ
وقول الآخر :[الخفيف] ٢٥٦٨ - رُبَّمَا الجَامِلُ المؤبِّلُ فِيهِمْ
وعَنَاجِيحُ بَيْنَهُنَّ المِهَارُ