وفي كتاب سيوبيه :" متَى رَأيتَ أو قُلْتَ زيداً مُنْطلقاً " على إعمال الأول، وحذف معمول القول، ويجوز إعمالُ القول بمعنى الحكاية به، فيقال :" متى رايت أو قلت زيد مُنطلقٌ " وقيل : القول في الآية بمعنى : العَيْب والطَّعْن، والمعنى : أتَعِيبُونَ الحقَّ وتطعنُونَ فيه، وكان من حقِّكم تعظيمُه، والإذعانُ له، من قولهم :" فلان يخافُ القالة " و " بين الناس تقاولٌ " إذا قال بعضهم لبعضٍ ما يسوؤه، ونحو القولِ الذَِّكرُ في قوله :﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء : ٦٠] وكلُّ هذا مُلخّص من كلام الزمخشريِّ.
قوله :" قَالُوا " يعني : فرعون وقومه، " أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا " اللاَّمُ متعلقةٌ بالمجيء، أي : أجِئْتَ لهذا الغرضِ، أنكروا عليه مجيئهُ لهذه العلَّة، واللَّفتُ : الليُّ والصَّرْفُ، لفته عن كذا، أي : صرفه ولواه عنه، وقال الأزرهي :" لفَتَ الشَّيء وفتلهُ " : لواه، وهذا من المقلوب.
قال شهاب الدِّين :" ولا يُدَّعى فيه قلبٌ، حتى يرجع أحدُ اللفظين في الاستعمال على الآخر، ولذلك لم يَجْعَلُوا جذبَ وجبذَ، وحَمِدَ ومَدَحَ من هذا القبيل لتساويهما، ومطاوعُ لَفَتَ : التفَت، وقيل : انْفَتَلَ، وكأنَّهُم استغْنَوا بمطاوع " فَتَل " عن مطاوع لَفَتَ، وامرأة لفُوت، أي : تَلْتفتُ لولدها عن زوجها، إذا كان الولد لغيره، واللَّفيتةُ : ما يغلظُ من القصيدة " والمعنى : أنَّهم قالوا : لا نترك الذي نحن عليه ؛ لأنَّا وجدنا أباءنا عليه، فتمسكُوا بالتقليد، ودفعُوا الحُجَّة الظاهرة بمجرد الإصرار.
قوله :﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِي الأَرْضِ﴾ الكبرياء : اسمُ " كان "، و " لكم " : الخبر، و " في الأرض " : جوَّز فيها أبو البقاء خمسة أوجه : أحدها : أن تكون متعلقة بنفس الكبراي.
الثاني : أن يتعلق بنفس " تكون ".
الثالث : أن يتعلَّق بالاستقرار في " لكم " لوقوعه خبراً.
الرابع : أن يكون حالاً من " الكبرياء ".
الخامس : أن يكون حالاً من الضَّمير في " لَكُمَا " لتحمُّلِه إيَّاهُ ".
والكبرياء مصدرٌ على وزن " فِعْلِيَاء "، ومعناها : العظيمة ؛ قال عديُّ بن الرِّقَاعِ :[الخفيف]
٣٨٤
٢٩٢٣ - سُؤدُدٌ غَيْرُ فَاحِشٍ لا يُدَانِيـ
ـيه تجبَّارةٌ ولا كِبْرياءُ
وقال ابن الرّقيات يمدح مصعب بن الزبير :[الخفيف] ٢٩٢٤ - مُلْكُهُ مُلْكُ رَأفَةٍ ليس فيه
جَبَرُوتٌ مِنْهُ ولا كِبْرِيَاءُ
جزء : ١٠ رقم الصفحة : ٣٨٣
يعني : هو ليس عليه ما عليه المملوكُ من التجبُّر والتَّعظيم.
والجمهور على " تكون " بالتَّأنيث مراعاةً لتأنيث اللفظ.
وقرأ ابن مسعود، والحسن، وإسماعيل وأبو عمرو، وعاصم - رضي الله عنهم - في روايةٍ :" يكون " بالياء من تحت ؛ لأنَّه تأنيثٌ مجازيٌّ.
قال المفسِّرون : والمعنى : ويكون لكُما الملكُ والعزُّ في أرض مصر، والخطابُ لموسى، وهارون - عليهما الصلاة والسلام -.
قال الزَّجَّاج : سمى الملك كبرياء ؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضاً : فالنبيُّ إذا اعترف القوم بصدقه، صارت مقاليدُ أرم أمته إليه ؛ فصار أكبر القوم.
واعلم : أنَّ القوم لمَّا ذكروا هذين الشيئين في عدم اتِّباعهم، وهما : التَّقليد، والحرصُ على طلب الرِّياسة، صرَّحُوا بالحكم، فقالوا :﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾، ثم شرعُوا في معارضةِ معجزات موسى - عليه الصلاة والسلام - بأنواعٍ من السحر ؛ ليظهر عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السِّحْر، فقال فرعون :﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
قرأ الأخوان : سحَّار وهي قراءةُ ابن مُصرِّف، وابن وثَّاب، وعيسى بن عمر.
﴿فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾.
فإن قيل : كيف أمرهُم بالسِّحْر، والسِّحر كفر، والأمر بالكفر كُفْرٌ ؟.
فالجواب : أنَّه - عليه الصلاة والسلام - أمرهم بإلقاء الحِبال والعِصيّ ؛ ليظهر للخلق أن ما أتوا به عملٌ فاسدٌ، وسعيٌ باطلٌ، لا أنَّه - عليه الصلاة والسلام - أمرهم بالسِّحْرِ ؛ فلمَّا ألقوا حبالهم وعصيَّهُم، قال لهم موسى : ما جئتم به هو السِّحْر، والغرض منهُ : أنَّهم لمَّا قالُوا لموسى : إنَّ ما جئتَ به سحر، فقال موسى - عليه الصلاة والسلام - : إنَّ ما
٣٨٥


الصفحة التالية
Icon