والبعير لغة يقع على الذكر خاصة، وأطلقه بعضهم على الناقةِ أيضاً وجعلهُ نظير " إنْسَانٍ " ويجوز كسر بائه إتباعاً لعينه، ويجمع في القلَّة على أبعرة، وفي الكثرة على بعران.
والمعنى : ونزدادُ كيل بعيرٍ بسبب حُضُور أخينا ؛ لأنه كان يكيلُ لكل رجلٍ حمل بعير.
ثم قال :﴿ذالِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ قال مقاتل ـ رحمه الله ـ : ذلك كيلٌ يسير على هذا الرجل المحسن، وحرصه على البذل، وهو اختيار الزجاج.
وقيل :﴿ذالِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحَبْسِ والتَّأخير.
وقيل : ذلك الذي يدفع إلينا بدُون أخينا شيئاً يسيراً قليلاً، لا يكفينا وأهلنا ؛ فابعثْ أخانا معنا ؛ لكي يكثر ما نأخذه.
وقال مجاهدٌ : البعِيرُ ههنا الحمارُ، " كَيْلُ بعيرٍ " أي : حِمْلُ حمار، وهي لغة، يقال للحَمير بَعِير، وهم كانوا أصحاب حُمُر، والأول أصحُّ ؛ بأنه البعيرُ المعروف.
قوله تعالى :﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ﴾ الآية.
الموْثِق : مصدر بمعنى الثقةِ، ومعناه : العَهْدُ الذي يُوثق به، فهو مصدرٌ بمعنى المفعول، يقول : لن أرسله معكم حتى تعطوني عهداً يوثقُ به، وقوله " مِنْ اللهِ " أيك عهداً موثوقاً به ؛ بسبب تأكد الشهادة من الله، أو بسببِ القسمِ بالله عليه.
والمَوْثِقُ : العهدُ المؤكَّد بالقسم، وقيل : المؤكَّد بإشهادِ الله على نفسه.
قوله :﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ هذا جوابٌ للقسم المضمر في قوله " مَوْثِقاً " ؛ لأنَّ معناه حتى تحلفوا لي لتأتنني به.
قوله ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ في هذا الإستثناء أوجه : أحدها : أنه منقطع، قاله أبو البقاء.
يعني فيكون تقدير الكلام : لكن إذا أحيط بكم
١٤٩
خرجتم من عتبي، وغضبي عليكم إن لم تَأتُوني به ؛ لوضوحِ عُذْركُم.
والثاني : أنه متصلٌ، وهو استثناء من المفعول له العام.
قال الزمخشريُّ :" فإن قلت : أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناءِ، ففيه إشكالٌ.
؟ قلتُ :" أنْ يُحاطَ بِكُمْ " معفولٌ له، والكلام المثبت، الذي هو قوله " لتَأتُنَّنِي بهِ " في معنى النَّفي، معناه : لا تَمْتنِعُون من الإتيان به ؛ إلا للإحاطة بكم، أو لا تمتنعون منه لعلةٍ واحدة وهي ﴿أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ فهو استثناءُ من أعمِّ العامِّ في المفعول له، والاستثناءُ من أعم العام لا يكونُ إلا في النفي وحده ؛ فلا بُدَّ من تأويله بالنَّفي، ونظيره في الإثبات المتأول بالنفي بمعنى النفي قولهم : أقْسَمْتُ باللهِ لما فعَلتَ وإلاَّ فعلتَ بزَيْدٍ يريد ما أطلب منك إلاًَّ الفعل ".
ولوضوح هذا الوجه لم يذكره غيرهُ.
الثالث : أنه مستثنى من أعمَّ العام من الأحوال قال أبو البقاء : تقديرهك لتَأتُنَّنِي به على كلِّ حالٍ، إلا في حالٍ، إلا في حالِ الإحاطةِ بكم.
قال شهابُ الدِّين :" قد نصُّوا على أنَّ أنْ الناصبة للفعلِ، لا تقعُ موقع الحال وإن كانت مُؤولةً بمصدرٍ، يجوز أن تقع موقع الحالِ ؛ لأنهم لم يَغتَفِرُوا في المؤولِ ما يَغْتفرونه في الصَّريح، فيجيزون : جِئْتُك رَكْضاً، ولا يجيزون : جِئْتُكَ أن أرْكُض وإنْ كانا في تأويله ".
الرابع : أنُّه مسثنى من أعمَّ العامِّ في الأزمان، والتقدير : لتَأتُنَّنِي به في كل وقتٍ إلا في وقت الإحاطة بكم، وقد تقدم [البقرة : ٢٥٨] الخلافُ في هذه المسألة، وأنَّ أبا الفتح أجاز ذلك كما يجوزه في المصدر الصريح، فكما تقول :" آتيك صِيَاحَ الدِّيك " يجوز أن تقول : آتيك أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، جعل من ذلك قول تأبَّط شرًّا :[الطويل] ٣١١٩ـ وقَالُوا لهَا : لا تَنْكِحِيهِ فإنَّهُ
لأوَّلِ نَصْلٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعَا
جزء : ١١ رقم الصفحة : ١٤٧
وقول أبِي ذُؤيبٍ الهُذليِّ :[الطويل] ٣١٢٠ـ وتَاللهِ مَا إنْ شَهْلَةٌ أمُّ واحدٍ
بأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُهَا
قال : تقديره : وقت ملاقاته الجمع، ووقت إهانة صغيرها.
قال أبو حيَّان :" فعلى ما قاله يجوز تخريج الآية، ويبقى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ على ظاهره من الإثبات ".
١٥٠