فالمخصوصون بالعناية أربعة : قوم أقامهم الحق تعالى لتنمية الإيمان وتربية الإيقان، إما عن دليل وبرهان - وهم أهل النظر والاعتبار، - وإما عن شهود وعيان - وهم أهل الشهود والاستبصار -، وقوم أقامهم الحق تعالى لتصفية نفوسهم وتزكية أحوالهم بالتوبة، والإقلاع عن كل وصف مذموم، وهم السائرون والطالبون، وقوم أقامهم لنصر الدين وإظهار شريعة المسلمين، إما بتقرير قواعده أو جهاد معانده، وهم العلماء والمجاهدون، وقوم أقامهم لخدمته، وملأ قلوبهم بهيبته، وهم العُباد والزهاد، مالوا عن الشهوات وتأنسوا به في الخلوات، هجرو الأوطان وفارقوا الأحباب والإخوان، صبوا إلى محبة الحبيب وتلذذوا بمناجاة القريب، فهؤلاء المخصوصون بعين العناية، المحفوظون بغاية الرعاية، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. حققنا الله بمقام الجميع بمنّه وكرمه. آمين.
٩٤
جزء : ١ رقم الصفحة : ٩٣
قلت :﴿لولا﴾ حرف امتناع لوجود، تلزم الدخول على المبتدأ، وخبرها واجب الحذف عند سيبويه، أي : لولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان، وقال الكوفيون، فاعل بمحذوف : أي : لولا أن ثبت فضل الله عليكم ورحمته، و(لكنتم) : جوابها.
يقول الحقّ جلّ جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين ﴿أَخَّدْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أن تقبلوا تكاليف التوراة، وكانت شاقة عليهم، فلما أبيتم قبولها، قلعنا الطور، ورفعناه فوقكم على مقدار عسكركم، كالظلة، وقلنا لكم :﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم﴾ من التوراة بجد واجتهاد، ﴿واذكروا ما فيه﴾ من الوعظ والتذكير ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الله، فتفوزون بالخير الكثير، فقبلتم ذلك كرهاً ﴿ثُمَّ تَوّلَّيْتُم﴾ وأعرضتم بعد لك، فسفكتم الدماء، وقتلتم الأنبياء، ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بتوفيقكم للتوبة، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بقبولها منكم، فخسرتم الدنيا والآخرة.