يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿و﴾ اذكروا أيضاً ﴿إِذْ أَخْذْنَا ميثَاقَكُمْ﴾ وقلنا لكم :﴿لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي : لا يسفك بعضكم دم بعض، ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾
١٠٥
أي : لا يخرج أحدكم أخاه من داره ويجليه عنها، وجعلهم الحق نفساً واحدة، وذلك هو في الحقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر :
عُنْصُرُ الأنفاسِ مِنَّا واحِدٌ
وكّذا الأجْسَامُ جِسْمٌ عَمَّنَا
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بهذا العهد والتزمتموه لأنفسكم ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسكم بذلك، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ﴾ يا ﴿هَؤُلاءِ﴾ اليهود ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي : يقتل بعضكم بعضاً، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ﴾ إجلاءً عنها، تتغالبون ﴿عَلَيْهِم﴾ بالظلم والطغيان، ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ﴾ مأسورين تفدوهم بمالكم، وذلك الإخراج محرم عليكم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٥
وحاصل الآية : أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل العهد في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأيّما عبدٍ أو أمَةٍ وجدتموه من بني إسرائيل أسيراً فاشتروه بما كان من ثمنه واعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في الحرب فيُعين بنو قريظة حلفاءهم الأوس، فيقاتلون بني النضير في قتالهم مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب، فقالوا : تقاتلونهم وتفدونهم ؟ ! فيقولون : قد أمرنا أن نفديهم وحُرم علينا قتالهم، قالوا : فلم تقاتلونهم ؟ فقالوا : إنا نسْتحي أن يُذَل حلفاؤنا، فوبخهم الله على ذلك، فقال :


الصفحة التالية
Icon