وفي الحديث قال ﷺ :" لَتَتَّبِعُنّ سُنَنَ مَنح قَبلكمُ شِبراً بشِبرٍ وذَراعاً بذراعٍ، حتى لَو دَخلُوا جُحْرَ لدَخَلْتُموه "، فقالوا : مَن يا رسول الله اليهودُ والنصارى ؟ قالَ :" نعم... ومَنْ إذن ؟ " أي : ومَن تتبعون إلا هم. فالدعاة إلى الله لا ينقطعون ما دام الدين قائماً، فقوم يدعون إلى أحكام الله، وقوم يدعون إلى معرفة الله، فالأول : العلماء، والثاني : الأولياء، فإذا أمروا بالخروج عن العوائد والشهوات، رموهم بسهام العتاب والمخالفات، إذ لم يأت أحد بمثل ما جاءوا به إلا عودي، إلا من خصته سابق العناية، وهبت عليه ريح الهداية، فيتبع آثارهم، وقليلٌ ما هم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٧
قلت :﴿غُلف﴾ : جمع ألف، كأحمر وحُمْر، وأصفر وصُفْر، وهو الذي عليه غشاوة، أي : هي في غلاف ؛ فلا تفقه ما تقول، بمنزلة الأغلف، وهو غير المختون، وقيل : أصله ﴿غُلُف﴾ بضم اللام، وبه قرأ ابن محيصن. فيكون جمع غلاف، كحجاب وحجب، وكتاب وكتب، ومعناه، قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك وكتابك. و ﴿قليلاً﴾ صفة لمحذوف ؛ أي : فإيماناً قليلاً، أو عدداً قليلاً يؤمنون، أو ظرف ؛ لأنه من صفة الأحيان، والعامل فيه ما يليه، و ﴿ما﴾ لتأكيد القلة، أي : في قليل من الأحيان يؤمنون، أو حال من الواو في ﴿يؤمنون﴾ أي : فيؤمنون في حال قلتهم.
١٠٨
يقول الحقّ جلّ جلاله : قالت اليهود استهزاء بما تدعوهم إليه :﴿قُلُوبُنَا﴾ مغلفة ومغشاة فلا نفقه ما تقول، أو أوعية للعلوم فلا تحتاج إلى علمك، قال الله تعالى :﴿بل﴾ لا غطاء على قلوبهم حساً، بل هي على الفطرة لكن ﴿لعنهم الله﴾ وطردهم وخذلهم بسبب ﴿كُفْرِهِمْ﴾ فأبطل استعدادها للعلم، ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي : فإيماناً قليلاً يؤمنون كإيمانهم ببعض الكتاب، أو فلا يؤمن إلا قليل منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، والله تعالى أعلم.