﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لهؤلاء اليهود :﴿آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ على محمد ﷺ ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ من التوراة، وهم ﴿يَكْفُرُونَ بِمَا ورَاءَهُ﴾ أي : بما سواه، وهو القرآن، حال كونه ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة ومهيمناً عليه. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد :﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْل﴾ هذا الزمان، وهو محرم عليكم في التوراة، ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ به ؟ فهذا يبطل دعواكم الإيمان بالتوراة ؛ إذ الإيمان بالكتاب يقتضي العمل به، وإلاَّ كان دعوى، وإن فعله أسلافكم فأنتم راضون به وعازمون عليه.
الإشارة : اعلم أن قاعدة تفسير أهل الإشارة هي أن كل عتاب توجه لمن ترك طريق الإيمان، وأنكر على أهله يتوجه مثله لمن ترك طريق مقام الإحسان، وأنكر على أهله. وكل وعيد توعد به أهل الكفران يتوعد به مَن ترك السلوك لمقام الإحسان، غير أن عذاب أهل الكفر حسي بدني، وعذاب أهل الحجاب معنوي قلبي.
فنقول فيمن رضي بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل التربية، بئسما اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزل الله من الخصوصية على قلوب أوليائه بغياً وحسداً، أو جهلاً وسوء ظن، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباؤوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب، أو بغضب سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب. (من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر) كما قال الشاذلي رضي الله عنه، ولا يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله. وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان، وهما شجرة الذل والهوان.
١١١


الصفحة التالية
Icon