ورجل آخر قد شهد ما شاهد ذلك، وربما زاد على ما هنالك، لكنه فوّض الأمر إلى خالقه، وسلّم الأمر لبارئه، فلم يرض إلا ما رضي له، ولم يرد إلا ما أريد به، وما اختار إلا ما حكم به فيه، إن أبقاه في هذه الدار أبقاه، وإن أخذه فهو بغيته ومناه، فهذا من العارفين المقربين. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. آمين.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١١٣
قلت :﴿ومن الذين أشركوا﴾ : على حذف مضاف، أي : وأحرص من الذين أشركوا، فيوقف عليه، و ﴿لو يعمر﴾ مصدرية، أي : يود أحدهم تعمير ألف سنة. و ﴿أن يعمر﴾ فاعل لمزحزحه، أي : وما هو بمزحزحه من العذاب تعميره.
يقول الحقّ جلَ جلاله : ولتجدن يا محمد اليهود ﴿أحرص الناس﴾ على البقاء في هذه الدار الدنية، فكيف يزعمون أنهم أولى الناس بالجنة، ولتجدنهم أيضاً أحرص من المشركين على البقاء، مع كونهم لا يقرون بالجزاء، فدلَّ ذلك على أنهم صائرون إلى النار، فلذلك كرهوا اللقاء وحرصوا على البقاء، يتمنى أحدهم لو يعيش ﴿ألف سنة﴾ وليس ذلك ﴿بمزحزحه﴾ أي : مبعده من العذاب، بل زيادة له في العقاب ﴿والله بصير بما يعملون﴾ : تهديد وتخويف.
الإشارة : يفهم من سر الخطاب أن كل من قصر أمله، وحسن عمله، وطيب نفسه للقاء الحبيب، واشتغل في هذه اللحظة القصيرة بما يقربه من القريب، كان قربه من الله بقدر محبته للقائه، وكل من طوّل أمله، وحرص على البقاء في هذه الدار الفانية، كان بُعده من الله بقدر محبته للبقاء، إلا من أحب البقاء لزيادة الأعمال، أو الترقي في
١١٥
المقامات والأحوال، فلا بأس به، ويفهم منه أيضاً أن مَن اشتد حرصه على الحياة الفانية كانت فيه نزعة يهودية.


الصفحة التالية
Icon