وقال القشيري : نفْسُ العابدِ وَطَنُ العبادة، وقلب العارف وطن المعرفة، وروح الواجد وطن المحبة، وسر الموحِّد وطن المشاهدة، ولا أظلم ممن سعى في خراب وطن العابد بالشهوات، وفي وطن المعرفة بالمُنى والعلاقات، وفي وطن المحبة بالحطوط والمساكنات، وفي وطن الموحد بالالتفات إلى القربات. هـ. وبالله التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٣٠
قلت :﴿أينما﴾ شرطية، و ﴿تولوا﴾ شَرْطُها، وجملة ﴿فثم﴾ جوابها، و(وَلْي) يستعمل بمعنى أدبر وبمعنى أقبل، تقول : وليت عن كذا أو كذا، والوجه هنا بمعنى الجهة، تقول : سافرت في وجه كذا، أي في جهة كذا. قاله ابن عطية.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿ولله المشرق والمغرب﴾، والجهات كلها له، لا يختص ملكه بمكان دون آخر، فإذا مُنعتم من الصلاة في المساجد ففي أي مكان كنتم ووليتم وجهكم إلى القبلة التي أمرتم بالتوجه إليها فثم جهته التي أمر بها، أو فثم ذاته المقدسة، أي : عالم مطلع على ما يفعل فيه، ﴿إن الله واسع﴾ بإحاطته بالإشياء، أو برحمته يريد التوسعة على عباده ﴿عليم﴾ بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها.
وعن ابن عمر : أنها نزلت في صلاة المسار على الراحلة حيثما توجهت به، وقيل : في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم، وعلى هذا : لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ، لم يلزمه التدارك. قاله البيضاوي.
الإشارة : اعلم أن الأماكن والجهات، وكل ما ظهر من الكائنات، قائمة بأنوار الصفات، ممحوة بأحدية الذات، " كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان " ؛ إذ لا وجود لشيء مع الله، ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، محق الآثار بإفلاك الأنوار، وانمحت الأنوار بأحدية الأسرار، وانفرد بالوجود الواحد القهار، ولله درّ القائل :
مُذْ عرَفتُ الإلهَ لم أرَ غيراً
وكذا الغيرُ عِنْدنَا مَمْنُوعُ
مُذْ تجمعتُ ما خَشِيتُ افتِرقاً
فأنا اليومَ واصلٌ مجمُوعُ
١٣١


الصفحة التالية
Icon