الإشارة : اعلم أنك إذا نظرت بعين البصيرة، أو بحق البصيرة، إلى الوجود بأسره، وجدته ذاتاً واحدة، ونسبته من الحق نسبة واحدة، أنوار ظاهرة، وأسرار باطنة، حكمته ظاهرة، وقدرته باطنة حسن ظاهر، ومعنى باطن، عبودية ظاهرية، وأسرار معاني الربوبية باطنة ؛ إذا لا قيام للعبودية إلا بأسرار معاني الربوبية، قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فَاطِر : ٤١]، وقال تعالى :﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النُّور : ٣٥]، وقال في الحكم :" الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة، فالنفس تنظر إلى ظاهر بهجتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها ". فأهل الفَرْقِ يثبتون الأشياء مستقلة مع الله، وربما تغالى بعضهم فأشركها معه في الألوهية، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٣٢
قال محيي الدين الحاتمي : من رأى الخلق لا فعلَ لهم فقد فاز، ومن رآهم لا حياة لهم فقد جاز، ومن رآهم بعين العدم فقد وصل. هـ. قلت : ومن أثبتهم بالله فقد تمكن وصاله، وأنشدوا :
مَن أبصرَ الخلقَ كالسرابِ
فقَد تَرقَّى عن الحجابِ
إلى وُجودٍ تراهُ رتقا
بِلاَ ابتعادٍ ولا اقْتِرابِ
١٣٣
ولم تُشَاهِدْ به سواهُ
هناك تهدي إلى الصوابِ
فَلا خِطابَ بِه إليهِ
وَلا مُشِيرَ إلى الخطابِ
هـ.
ولما قال رافع بن حريملة - من أحبار يهود - للرسول ﷺ : أسمعنا كلام الله إن كنت رسوله، أو أرنا آية تصدقك.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٣٢
قلت : هذه المقالة صدرت من بعض اليهود والمشركين، قالوا ذلك تعنتاً وعناداً، لا طلباً لليقين، فلذلك نفى الله عنهم العلم رأساً، والمقصود في هذه الآيات كلها توبيخ اليهود.


الصفحة التالية
Icon