﴿ربنا وابعث فيهم﴾ أي : في الذرية ﴿رسولاً منهم﴾ وهو مولانا محمد ﷺ قال - عليه الصلاة والسلام - :" أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى "، حال كونه ﴿يتلو عليهم﴾ أي : يبلغهم ﴿آياتك﴾ الدالة على توحيدك وصدق رسالتك، ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي : القرآن ﴿والحكمة﴾ أي : الشريعة أو السنة. وقال مالك : هي الفقه في الدين والفهم فيه، أو نور يضعه في قلب من شاء من عباده، ﴿ويزكيهم﴾ أي : يطهرهم من لوث المعاصي وكدر الحس، ﴿إنك أنت العزيز﴾ الغالب في حكمه وسلطانه، ﴿الحكيم﴾ في صنعه وإتقانه، والله تعالى أعلم.
الإشارة : تضمن دعاؤهما عليهما السلام ثلاثة أمور يُطلب التماسها والتحقق بها من كل أحد ؛ أولها : الانقياد لله في الظاهر والباطن، بامتثال أمره والاستسلام لقهره، حتى يسري ذلك في الأصل إلى فرعه، وهي غاية المنّة، قال في الحكم :" متى جعلك في الظاهر ممتثلاً لأمره، وفي الباطن مستسلماً لقهره، فقد أعظم منته عليك ". الثاني : معرفته الطريق، والسلوك على جادتها، كارتكاب مشاق الطاعات، ومعانقة مخالفة الهوى والشهوات، ورؤية التقصير في ذلك، وطلب التوبة مما هنالك، وهذه هي مناسك حج القلوب، والطريق الموصل إلى عَرَفَةِ حَضْرَةِ الغيوب، والثالث : الظفر بالداعي إلى الله
١٤١
والدال عليه، وهو المعلم الأكبر، صحبته تطهر من العيوب، ورؤيته تغني القلوب، وتدخلها إلى حضرة الغيوب، ظاهره قائم بوظائف الحكمة، وباطنه مشاهد لتصاريف القدرة، وهذا هو القائم بالتربية النبوية. وبالله التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٤١


الصفحة التالية
Icon