قلت :﴿من﴾ : استفهامية إنكارية، فيها معنى النفي، مبتدأ، و ﴿يرغب﴾ وما بعده خبر، و ﴿إلا﴾ إبطال لنفيها الذي تضمنته، و ﴿مَن سَفِه﴾ بدل من ضمير ﴿يرغب﴾ على المختار، و ﴿نفسه﴾ مفعول ﴿سَفِه﴾ ؛ لتضمنه معنى جهل أو أهلك، قاله الزجاج، أو على التمييز ؛ قاله الفراء ؛ لأن الضمير فيه معنى الشيوع الذي في ﴿مَن﴾ فلم يكسب التعريف، أو على إسقاط الجارّ وإيصال الفعل إليه، كقولهم : ضرب فلان الظهر والبطن. و ﴿إذ﴾ معمول لاصطفيناه، وأوصى ووصى : لغتان، إلا أن وصى فيه معنى التكثير. وضمير ﴿بها﴾ يعود على كلمة ﴿أسلمت﴾، أو الملة، و ﴿يعقوب﴾ معطوف على ﴿إبراهيم﴾، و ﴿بني﴾ محكي بحال محذوفة، أي : قائلين يا بني، أو مبتدأ، والخبر محذوف، أي : قال يا بني... الخ، فيوقف على ﴿بينه﴾.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿ومَن﴾ هذا الذي ﴿يرغب عن ملة إبراهيم﴾ الواضحة ﴿إلا﴾ من جهل قدر ﴿نفسه﴾ وبسخها حقها ؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه ؟ وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه أماماً ﴿في الدنيا﴾ يقتدي به أهل الظاهر والباطن ؟ ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ لحضرتنا، والساكنين في جوارنا.
وإنما اخترناه لذلك لأنه حين ﴿قال له ربه﴾ : استسلم لحكمنا، وانقد لأمرنا، قال سريعاً :﴿أسلمت﴾ وجهي ﴿لرب العالمين﴾، وانقدْتُ بكُلّيتي إليه. ﴿ووصى﴾ بهذه الكلمة أو الملة ﴿إبراهيم﴾، عند موته، ﴿بنيه﴾، وكانوا أربعة : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان. وكذلك حفيده ﴿يعقوب﴾ أوصى بهذه الكلمة بنيه. وكانوا اثني عشر، على ما يأتي في الأسباط، قائلين في تلك الوصية :﴿يا بني إن الله﴾ اختار لكم ﴿الدين﴾ الحنيف الواضح المنيف، فتمسكوا به ما عِشْتُّم ولا تموتُن ﴿إلا وأنتم مسلمون﴾ متمسكون به.
الإشارة : ملة أبينا إبراهيم عليه السلام هي رفع الهمة عن الخلق، وإفراد الوجهة للملك الحق، ورفض الوسائط والأسباب، والتعلق بربّ الأرباب، وفي ذلك يقول
١٤٢
الشاعر، وهو الششتري :


الصفحة التالية
Icon