يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿قل﴾ يا محمد لأهل الكتاب : أتخاصموننا ﴿في الله﴾ وتقولون : أنتم أولى به منا ﴿وهو ربنا وربكم﴾، لا يختص به واحد دون آخر، ﴿ولنا أعمالنا﴾ نتقرب بها إليه، ﴿ولكم أعمالكم﴾ تتقربون بها أيضاً، فكيف تختصون به دوننا ﴿ونحن له مخلصون﴾ في أعمالنا وقلوبنا دونكم فإنكم ؛ أشركتم به غيره، فإن قلتم : إن الإنبياء كلهم منكم وعلى ملتكم فقد كذبتم، أتقولون ﴿إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب﴾ وأولاده ﴿الأسباط كانوا هوداً﴾ على دينكم يا معشر اليهود، ﴿أو نصارى﴾ على ملتكم يا معشر النصارى.
﴿قل﴾ لهم يا محمد :﴿أأنتم أعلم أم الله﴾ وقد نفى الأمرين معاً عن إبراهيم فقال :﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِمَاً﴾ [آل عِمران : ٦٧]، وقال :﴿وَمَآ أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عِمرَان : ٦٥]، وهؤلاء المعطوفون عليه : أتباعه في الدين، فليسوا يهوداً ولا نصارى، فكيف تدعون أنهم كلهم منكم، وعلى دينكم، وأنتم تشهدون أنهم لم يكونوا على دينكم ؟ ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾، وهي شهادة الحق لإبراهيم بالحنيفية، والبراءة من اليهودية والنصرانية، أي : لا أحد أظلم منه، وليس الله تعالى ﴿بغافل عما تعملون﴾، بل يجازيكم على النقير والقطمير، فإن اعتمدتم على نسبكم إليهم فقد اغتررتم.
﴿تلك أمة﴾ قد مضت، ﴿لها ما كسبت﴾ لا ينتفع به غيرها، ﴿ولكم ما كسبتم﴾ لا ينفعكم غيره، ولا تسألون عن عملهم كما لا يسألون عن أعمالكم، قال البيضاوي : كرره للمبالغة في التحذير، والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء، والاتكال عليهم، وقيل : الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا، تحذيراً عن الاقتداء بهم، وقيل : المراد بالأمة في الأولى الأنبياء، وفي الثانية أسلاف اليهود والنصارى. هـ.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٤٦


الصفحة التالية
Icon