الإشارة : كل من أقامه الحقّ في وجهه، ووجهه إليها، فهو عامل لله فيها، قائم بمراد الله منها، وما اختلفت الأعمال إلى من جهة المقاصد، وما تفاوت الناس إلى من جهة الإخلاص. فالخلق كلهم عبيد للملك المجيد، وما وقع الاختصاص إلا من جهة
١٤٧
الإخلاص. فمن كان أكثر إخلاصاً لله كان أولى من غيره بالله، وبقدر ما يقع للعبد من الصفاء يكون له من الاصطفاء، فالصوفية والعلماء والعباد والزهاد وأهل الأسباب على اختلاف أنواعهم كلهم عاملون لله، ليس أحد منهم بأولى من غيره بالله إلا من جهة الإخلاص وإفراد القلب لله، فمن ادعى الاختصاص بالله من غير هذه الوجهة فهو كاذب، ومن اعتمد على عمل غيره فهو مغرور، يقال له :﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.
ولمّا أراد الله تعالى أن ينسخ القبلة من جهة الشام ويردها إلى الكعبة، أخبر أنه سيكرها قومٌ خَفَّتْ أحلامُهم، وفسدت بالتقليد الردي عقولُهم، وهم أحبار اليهود والمنافقون والمشركون.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٤٦
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ الذين لا عقل لهم ولا دين، حين تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة : ما صرفهم ﴿عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾، فلو دام عليها لاتبعناه. ﴿قل﴾ لهم يا محمد :﴿لله المشرق والمغرب﴾ لا يختص ملكه بمكان دون مكان بخاصية ذاتيه تمنع من إقامة غيره مقامه، بل الأماكن عند الله سواء : والخلق في حقه سواء، ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾، ويضل مَن يشاء عن المنهاج القويم " لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ " [الأنبيَاء : ٢٣]، والصراط المستقيم : ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، والكعبة أخرى، وفائدة تقديم الإخبار به : توطين النفس وإعداد الجواب. قاله البيضاوي.


الصفحة التالية
Icon