قلت :﴿ولئن﴾ اللام موطِّئة للقسم، و ﴿إن﴾ شريطة، و ﴿أتيت﴾ فعل اشرط، و ﴿ما تبعوا﴾ جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط. قال في الألفية :
واحذِف لَدَى اجتماع شرطٍ وقسمْ
جوابَ ما أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾ من أحبار اليهود ﴿ليعلمون﴾ أن التحول إلى الكعبة حق ﴿من ربهم﴾ لِمَا يجدون في كتابهم أنه يصلي إلى القبلتين، وأن عادته تعالى تخصيص كل أمة بشريعة، ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾ من التعنت
١٥٢
والعناد، وإنما يمهلهم ليوم المعاد، والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان على صحة التوجه إلى الكعبة ﴿ما تبعوا قبلتك﴾ ؛ لأنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تُزيلُها الحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعناداً. وقد طمعوا أن ترجع إلى قبلتهم، ولست ﴿بتابع قبلتهم﴾ أبداً، بل لهم قبلتهم ؛ صخرة بيت المقدس، وللنصارى قبلتهم ؛ مطلع الشمس، وليس بعضهم ﴿بتابع قبلة بعض﴾ ؛ لتصلب كل حزب بما هو فيه، وإن كان على خطأ وفساد ؛ لأن مفارقة العوائد نا صعب على النفوس إلا من سبقت له العناية.
﴿
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٥١
ولئن اتبعت أهواءهم﴾ الباطلة وإراءهم الزائفة فَرْضاً وتقديراً ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ الواضح والوحي الصحيح ﴿إنك إذاً لمن الظالمين﴾، لكنك معصوم، فلا يتصور اتباعك لهم أبداً.
﴿الدين آتيناهم الكتاب﴾ أي : اليهود ﴿يعرفونه﴾ أي : الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه أو القرآن أو التحويل، ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾ لا يشكُّون في صحة رسالته كما لايشكون في معرفة أبنائهم. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله ﷺ فقال :(أنا أعلَمُ بِه مِنِّي بِابني، قال له : ولِمَ ؟ قال : لأنِّي لستُ أشُكُّ في محمدٍ أنه نبيُّ الله. وأمَا ولَدِي فلعلَّ والدتَهُ قدْ خَانَتْ).