وبعد حصول هذه المعرفة لهم جحدوه وكتموا صفته، إلا من عصمة الله بالإيمان كعبد الله بن سلام وأصحابه - فقد كتم فريق منهم الحق وهم أحبارهم، وهم يعلمون أنه حق حسداً وعناداً.
هذا الذي أنت عليه يا محمد هو ﴿الحق من رَبِّك فلا تكونن من الممترين﴾ أي : من الشاكين في أنه الحق، أو في كتمانهم الحق عالمين به. والخطاب مصروف للسامعين لا للنبيّ ﷺ ؛ لأنه غير متوقع منه، وإنما المراد تحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ قاله البيضاوي.
الإشارة : مما جرت به سُنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة، أو تقول : علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر، يقابلونهم بالإذاية والإنكار، مع أنه يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العماء بالله، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه عليهم " أو كما قال - عليه الصلاة والسلام-، وقال ﷺ :" لِكلِّ آيةٍ ظَاهرٌ وبَاطِنٌ وحَدٍّ ومَطْلَع ".
١٥٣
﴿وما الله بغافل عما يعلمون﴾ فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان، فيقال لأهل الباطل : ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت إليها ؛ لأنها مَنُوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد لاكتساب الفوائد، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان، وما أنت أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها، ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما ظهر لك من علم التحقيق : إنك إذاً لمن الظالمين لنفوسهم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٥١