قال في الحِكَم :" إنما استوحشَ العُبَّاد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء ". وأيضاً. العارف أكمل أدباً من المحب ؛ لأن المعرفة إنما تحصُل بعد كمال التهذيب والتدريب، وقد
١٦٩
تحصل المحبة قبل كمال التهذيب، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الحقّ وعيدَ مَنْ أشرك مع الله في عبادته أو محبته، بعد وضوح برهان وحدانيته، فقال :
﴿... وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوااْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
قلت :﴿لو﴾ شرطية، و ﴿ترى﴾ شرطها، قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب للنبيّ ﷺ أو لكل سامع، والباقون بالغيب وإسناده إلى الظالم، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد، و ﴿إذ﴾ ظرف للرؤية، وموضع ﴿يرون﴾ خفض بالإضافة، قرأ ابن عامر بضم الياء، على البناء للمفعول، والفاعلُ الحقيقي هو الله تعالى، بدليل ﴿يريهم الله﴾، والباقون بالفتح على البناء للفاعل، على حد :﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ﴾ [النّحل : ٨٥]. و ﴿أن القوة﴾ معمول للجواب المحذوف، تعظيماً لشأنه، والتقدير : لو ترى يا محمد، أو يا مَنْ يسمَع، الذين ظلموا حين يرون العذاب، أو يريهم الله العذاب، لرأيت أمراً فظيعاً وخَطْباً جسيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٦٦