و ﴿جميعاً﴾ حال، أي : أن القوة ثابتة في حال اجتماعها، وقرأ أبو جعفر ويعقوب ﴿إنَّ﴾ بالكسر في الموضعين على الاستئناف، و ﴿إذ تبرأ﴾ بدل من ﴿إذ يرون﴾، والأسباب : العهود والوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادُّون عليها، وأصل السبب : كل شيء يتوصل به إلى شيء، ومنه قيل للحبل الذي يُصعد به : سبب، وللطريق : سبب، قال الشاعر :
ومَنْ هَابَ أَسْبابَ المَنِيِّةِ يلْقَها
ولَوْ رَامَ أسْبَابَ السماء بسُلَّم
و ﴿حسَرات﴾ : حال، إن كانت بصرية، على مذهب أهل السنّة، أو مفعول ثالث إن كانت عِلمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال.
١٧٠
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿ولو ترى﴾ يا محمد، أو كل من يتأتى منه الرؤية، حالَ ﴿الذين ظلموا﴾ باتخاذهم الأنداد والأوثان، بعد وضوح الأدلة وسُطوع البرهان، حيث ﴿يرون العذاب﴾ محيطاً بهم، والزبانيةُ تَغْلِبُهم، والنار تلتقطهم، لرأيت أمراً فظيعاً، وخطباً جسيماً، ولعلمت ﴿أن القوة لله جميعاً﴾، أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أُعِد لهم سبب شركهم، لرأوا أمراً عظيماً، وليتقنوا ﴿أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب﴾.
وذلك حين يتبرأ المتبعون - وهم الرؤساء -، من الأتباع - وهم القلّة الضعفاء - والحالة أنهم ﴿رأوا العذاب﴾ الفظيع، ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ أي : أسباب المودة والوُصْلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مودتهم عداوة، ﴿وقال﴾ حينئذٍ الضعفاء ﴿الذين اتبعوا﴾ شياطينهم في الكفر والضلال :﴿لو أن لنا كَرَّة﴾ أي : رجعة للدنيا ﴿فنتبرأ منهم﴾ أي : من كبرائهم ﴿كما تبرءوا منا﴾ اليوم. ﴿كذلك﴾ أي : مثل ذلك الإبراء الفظيع ﴿يريهم الله أعمالهم حسرات﴾ ونَدَمات ﴿عليهم﴾ فيدخلون النار على سبيل الخلود، ﴿وما هم بخارجين من النار﴾.