جزء : ١ رقم الصفحة : ١٧٧
قلت : لمّا ذكر الحقّ تعالى التوحيد وبراهينه الذي هو رأس الدين، وحذَّرَ من الشرك وفروعه، ذكر هنا بقية أركان الدين، وهي الإيمان والإسلام، ذكر في هذه الآية قواعد الإيمان وبعض قواعدِ الإسلام ؛ وهي الصلاة والزكاة، ثم ذكر بعد ذلك الصيام وأحكامه، ثم ذكر الحج وأركانه، ثم ذكر الجهاد والنكاح والطلاق والعِدَّة، ثم ذكر البيوع، وما يتعلق بها من الربا، ثم الشهادات والرهَان، وبها ختم السورة.
لكن الحديث ذو شُجون، والكلام يَجُرُّ بعضُه بعضاً، فقوله :﴿ليس البر أن تولوا﴾ : اسم ليس وخبرها، وكلاهما مُعَرَّفَتان، الأول بأل والثاني بالإضافة، إذا التقدير : توليةُ وجوهكم، فمن رجَّح تعريف الألف واللام. جعل ﴿البر﴾ اسمها، و ﴿أن تولوا﴾
١٧٨
خبرها، وبه قرأ الأكثر، ومن رجح الإضافة جعل ﴿البر﴾ خبرها مقدماً، والمصدر اسمها مؤخراً، وبه قرأ حمزة وحفص.
وقوله :﴿ولكن البر﴾ مَنْ خَفَّفَ جعلها عاطفة الجملة، و ﴿البر﴾ مبتدأ، و ﴿من آمن﴾ خبر على حذف مضاف، أَيْ : بِرُّ من آمن ؛ إذ لا يُخْبَرُ بالذات عن المعنى، أو قصد المبالغة، ومن شدَّد نصب بها، لوقوعها بين جملتين، وهي استدراكية، و ﴿على حبه﴾ حال من المال، و ﴿الصابرين﴾ نصب على المدح، ولم يعطفه بالرفع لفضل الصبر وشرفه.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في الرد على أهل الكتاب :﴿ليس البر﴾ محصوراً في شأن القبلة، ﴿ولكن البر﴾ الذي ينبغي أن يُعتنى بشأنه هو الإيمان بالله، وما يجب له من الكمالات، وباليوم الآخرة وما بعده، وبالملائكة وما يجب أن يعتقد في شأنهم، والكتاب المنزل من السماء كالقرآن وغيره، ﴿والنبيين﴾ وما يجب لهم وما يستحيل في حقهم.


الصفحة التالية
Icon