الإشارة : اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات، وحفظ قلبه من الخطَرَات، وصان سرّه من الغَفَلات - وأعظمُ الشهوات حبُّ الرئاسة والجاه، فإذا قتل نفسه ونزل بها إلى السُّفْليات حتى حَضرها الموت، وانقطع عنها الخواطر والخيالات - فإنها تفيض بالعلوم والواردات، فالواجب من طريق الجزم أن يُفيد تلك العلوم، أو يوصي مَنْ يقيدها لينتفع بها الوالدن وهما الأشياخ، والأقربن وهم الإخوان. فإن الحكمة تَرِدُ في حال التجلّي كالجبَل، فإن لم يقيدها وأهملها، رجعت كالجمل، فإن أهملها رجعت كالكبش، فإن أهملها رجعت كالطير، ثم ترجع كالبَيْضة ثم تذهب. هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه، وكان شيخه سيدي العربي بن عبد الله يقول له :(إنْ وَرَدَ عليكم واردٌ فقَيِّدْه وأعطني منه نسخة). وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات، فَمنْ قَيَّدَ وارداً أو سمعه من غيره، فلا يُغيرْه بمجرد رأيه وهواه. فإن تحقق منه نقصاً أو ميلاً عن منهاج الطريقة والحقيقة، فأصلحه، فلا إثم عليه، ﴿إن الله غفور رحيم﴾
١٨٣
ولما ذكر في الآية المتقدمة قاعدتين من قواعد الإسلام في قوله :﴿وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾، بعد أن ذكر قواعد الإيمان، ذكر القاعدة الثالثة، وهي الصيام
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٨٢
قلت :﴿أياماً﴾ منصوب على الظرفية، واختُلِف في العامل فيه، والأحسنُ أنه الصيام، ولا يضره الفصل ؛ لأن الظرف يُتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، و ﴿معدودات﴾ نعت له، و ﴿عدة﴾ مبتدأ ؛ أي : فَعَليْهِ عِدَّةٌ. و ﴿أُخر﴾ ممنوع من الصرف للعدل عن الألف واللام والوصف. و ﴿شهر رمضان﴾ إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر : الألف واللام والوصف : و ﴿شهر رمضان﴾ إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر :﴿فمن شهد﴾، أو بدل من ﴿الصيام﴾، على حذف مضاف، أي : صيام شهر رمضان.


الصفحة التالية
Icon