الإشارة : اعلم أن عمل أهل الباطن كله باطني قلبي، بين تفكر واعتبار، وشهور واستبصار، أو نقول : بين فكرة ونظرة وعكوف في الحضرة، فلا يظهرون من أعمالهم إلا المهم من الواجبات، ولذلك قال بعضهم : إذا وصل العمل إلى القلوب استراحت الجوارح، (ومعلوم أن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح) ؛ لأن أعمال القلوب خفية، لا يطلع عليها ملك فيكتبها، ولا شيطان فيفسدها، الإخلاص فيها محقق. وأيضاً :" تفكر ساعة أفضل من عبادة ستين سنة ". وسئل - عليه الصلاة والسلام - :" أيُّ الأَعْمَال أَفْضَلُ ؟ قال :" العلْمُ بالله " قيلَ : يا رسُولَ الله سَأَلْنَاكَ عن العَمَل ؟ فقال :" العلمُ بالله "، ثم قال ﷺ :" إذا حَصَلَ العلمُ بالله كَفَى قلِيلُ العَملِ " أو كما قال عليه الصلاة والسلام، " فلما خفيت أعمال أهل الباطن سخر منهم أهل الظاهر، واستصغروا شأنهم ؛ حيث لم يروا عليهم من الأعمال ما رأوا على العُبَّاد والزُهاد. والذين اتقوا شهود ما سوى الله، أو كل ما يشغل عن الله، فوقهم يوم القيامة ؛ لأنهم من المقربين وغيرهم من عوام المسلمين، والله يرزق من يشاء في الدارين بغير حساب، أي : بغير تقدير ولا حصر، فيرزق العلوم، ويفتح مخازن الفهوم على مَن توجه إلى مولاه، وفرغ قلبه مما سواه " وبالله التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٨
٢٠٩
قلت :﴿فبعث﴾ معطوف على محذوف، أي : فاختلفوا فبعث، و ﴿بغياً﴾ : مفعول له، و ﴿من الحق﴾ بيان ﴿لما﴾.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿كان الناس﴾ في زمن آدم عليه السلام وما قرُب منه ﴿أمة واحدة﴾ أي : جماعة واحدة، متفقة على التوحيد، والطاعة، فاختلفوا بعد ذلك في أمر التوحيد، ﴿فبعث الله النبيين مبشرين﴾ لأهل التوحيد والطاعة بالنعيم المقيم، ﴿ومنذرين﴾ أي : مخوفين لأهل الكفر والعصيان بالعذاب الأليم.


الصفحة التالية
Icon