قلت :﴿أم﴾ منقطعة بمعنى بل، وتتضمن استفهاماً إنكاريّاً، و " حسب " تتعدى إلى مفعولين، أي : أظننتم دخول الجنة حاصلاً من غير أن يأتيكم ؟. و ﴿لما﴾ أصلها ﴿لم﴾ زيدت عليها " ما " وهي تدل على توقع منفيها بخلاف لم. و ﴿حتى يقول﴾ يصح فيه النصب ﴿أن﴾ ؛ لأن الزلزلة متقدمة على قول الرسول، والرفع على حكاية الحال، أي : وزلزلوا حتى حالتهم حينئذٍ أن الرسول ومن معه يقولون كذا وكذا. وفائدة الحكاية : فرض ما كان واقعاً في الزمان الماضي واقعاً في هذا الزمان، تصوّراً لتلك الحال العجيبة، واستحضاراً لصورتها في مشاهدة السامع، وإنما وجب رفعه عند إرادة الحال ؛ لأنه نصبه يؤدي إلى تقدير ﴿أن﴾، وهي للاستقبال، والحال يُنافيه، ويصح في موضع " حتى " الداخلة على الحال الفاء السببية.
يقول الحقّ جل جلاله للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين، تسلية لهم وتشجيعاً لقلوبهم : أظننتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يُصبكم مثلُ ما أصاب مَنْ قبلَكم من الأنبياء وأممهم، فقد ﴿مسّتهم البأساء﴾ في أموالهم بالغصب والنهب والموت ﴿والضراء﴾ وفي أبدانهم بالتقل في الحرب والمرض وأنواع البلاء، ﴿وزلزلوا﴾ أي : ضُربوا بالمحن والشدائد، وطال عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر، حتى أفضى بهم الحال إلى أن قالوا :﴿متى﴾ يأتينا ﴿نصر الله﴾ ؟ استبطاء لمجيئه مع شدة البلاء.
قال الحقّ جلّ جلاله بشارةً لهم :﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ فلا تستعجلوا، ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفَال : ٤٦]، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعرَاف : ١٢٨].


الصفحة التالية
Icon