الإشارة : اعلم أن الحق تعالى جعل للعقل نوراً يُميز بين الحق والباطل، بين الضار والنافع، وبين الصانع والمصنوع، ثم إن هذا النور قد يتغطى بالظلمة الطينية ؛ وهي نشوة الخمر الحسية. وقد يتغطى أيضاً بالأنوار الباهرة من الحضرة الأزلية إذا فاجأته، فيغيب عن الإحساس في مشاهدة الأنوار المعنوية، وهي أسرار الذات الأزلية، فلا يرى إلا أسرار المعاني القديمة، وينكر الحوادث الحسية، فسمي الصوفية هذه الغيبة خمرة ؛ لمشاركتها للخمر في غيبوبة العقل، وتغنوا بها في أشعارهم ومواجيدهم، قال الفارض رضي الله عنه :
شَرِبْنَا على ذِكْر الحبيبِ مُدامَةً
سَكرنَا بها من قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ
ثم قال :
على نفسه فَليبْكِ مَن ضاع عُمْرُه
وليسَ لهُ منها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٦
وقلت في عينيتي :
وَلِي لَوْعَةٌ بالرَّاحِ إِذْ فِيه رَاحِتِي
وَرَوْحِي ورَيْحَانِي، وخيرٌ واسِعُ
سَكرْنَا فهِمْنَا في بَهاءِ جَمَالِه
فَغِبْنا عَن الإحساسِ، والنُورُ ساطعُ
والميسر في طريق الإشارة : هو الغني الذي يحصل بهذه الخمرة، وهو الغني بالله عن كل ما سواه (قل فيهما إثم كبير) أي : في تعاطيهما حرج كبير، ومنافع للناس بعد تعاطيهما، فيهما إثم كبير عند طالب الأجور، ومنافع للناس لمن طلب الحضور ورفع الستور. وأنشدوا :
لَوْ كَان لي مُسْعدٌ يُسعِدُني
لمَا انتظرتُ لشُربِ الراحِ إفطارا
فالراحُ شيءٌ شَريفٌ أنتَ شَاربُه،
فاشْرَب، ولو حَمَّلَتْكَ الراحُ أوْزارا
يا مَنْ يلومُ على صَهْبَاءَ صافيةٍ
خُذ الجِنَانَ، ودَعْنِي أَسكنُ النَارا
وقال ابن الفارض :
وقالُوا : شَرِبْتَ الإثَم! كلاّ، وإنما
شرِبْتُ التي في ترْكِها عنديَ الإثْمُ
٢١٧
وقال آخر :
طابَ شُرْبُ المُدامِ في الخَلَواتْ
اسْقِني يا نديمُ بالآنِيَاتْ
خْمْرَةٌ تركُها علينا حرَامٌ،
ليسَ فيها إثمٌ ولا شُبُهَاتْ