عُتِّقَتْ في الدَّنان مِنْ قَبْلِ آدمْ
أصلُها طيّبٌ من الطَّيِّبَاتْ
أَفْتِ لي أيُّهَأ الفقيهُ وقلْ لي :
هل يجوزُ شُرْبُها على عَرَفاتْ ؟
فيهما إثم كبير عند أهل الحجاب، ونفع كبير عند ذوي الألباب، يعني : في الخمرة الأزلية والغنى بالله، وقوله تعالى :﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ : خطاب على قدر ما يفهم الناس، لأن إثمهما ظاهر للعوام، وهو ما يظهر على النشوان من خراب الظاهر، وصدور الأحوال الغريبة، ونفعهما خاص عند خوصا الخواص، لا يفهمه إلا الخواص، بل يجب كتمه عن غير أهله، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم وقع سؤال ثالث عن قدر المنفق، فأشار إليه الحقّ جلّ جلاله بقوله :
﴿... وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذالِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ...﴾
قلت :﴿العفو﴾ : ضد الجهد، وهو السهل، ويقال للأرض السهلة : عفو، والمراد : أن يُنفق ما تيسر بذله، ولا يبلغ به الجَهد، وهو خبر، أو مفعول، أي : هو العفو، أو ينفقون العفو. يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿ويسألونك﴾ ما القدر الذي ينفقونه ؟ ﴿قل﴾ لهم : هو ﴿العفو﴾ أي : السهل الذي لا مشقة في إعطائه، ولا ضرر على المعطي في فقده، رُوِي أن رجلاً أتى النبيّ ﷺ بقدر بَيْضة من الذهب، فقال : خُذها عني صَدقَة، فأعرض عنه، حتى كَرَّر مِرَاراً، فقال : هاتها، مُغْضَبَا، فحذفها حذفاً لو أصابه لشجَّه، فقال :" يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به، ويجلس يتكفَّفُ الناس، إنما الصدقةُ عن ظَهْرِ غِنَى " قاله البيضاوي مختصراً.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٦
قلت : وهذا يختلف باختلاف اليقين ؛ فقد تصدّق الصدِّيقُ رضي الله عنه بماله كله، وعمر رضي الله عنه بنصف ماله، فأقرهما ورَدّ فعلَ غيرهما، فدلَّ ذلك على أن العفو يختلف باختلاف الأشخاص، على حسب اليقين.


الصفحة التالية
Icon