﴿كذلك يبن الله لكم الآيات﴾ أي : مثل هذا التبيين الذي ذكرنا، ﴿يُبين﴾ لكم الآيات، حتى لا يترك إشكالاً ولا وهماً، ﴿لعلكم تتفكرون﴾ بعقولكم، وتأخذون بما يعود نفعه عليهكم، فتتفكرون ﴿في الدنيا﴾ وسرعة ذهابها وتقلبها بأهلها، إذا أقبلت كانت فتنة، وإذا أدبرت كانت حسرة، لا يفي طالبُها بمقصوده منها ولو ملكها بحذافيرها،
٢١٨
ضيقة الزمان والمكان، عمارتها إلى الخراب، وشأنها إلى انقلاب، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، فتزهدون فيها وترفعون همتكم عنها.
وفي الحديث عنه ﷺ :" مَالِي وللدنيا، إنما مَثَلي ومثلُ الدنيا كرجلٍ سَافَرَ في يوم صَائِفٍ، فاسْتَظَلَّ تحت شَجَرةٍ، ثم رَاحَ وَتَرَكَها " وفي صحف إبراهيم عليه السلام :" عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب - أي : يتعب - عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ". وأنشدوا :
ألا إنَّما الدنيا كأحْلاَمِ نَائِم
وكُلُّ نعيمٍ ليسَ فيها بِدَائِم
تَذَكَّرْ إذا ما نِلْتَ بالأمس لَذَّةً
فأفْنَيْتَها هل أنتَ إلا كَحَالِمِ
وتتفكرون في ﴿الآخرة﴾ ودوام نعيمها، وسعة فضائها، وبهجة منظرها ؛ فترغبون في الوصول إليه، وتتأهبون للقائها، فتؤثرونها على هذه الدار الفانية. قال بعض الحكماء : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان ينبغي للعاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى، والآخرة من ذهب يبقى، فلا يختار هذه الدار إلاَّ أحمق خسيس الهمة، وبالله التوفيق.


الصفحة التالية
Icon