الإشارة : إذا ماتت النفس عن الهوى، وتركت حظوظاً وشهوات، فلا ينبغي أن يردها إلى ذلك حتى تتربص مدة، فيظهر عليها آثارُ الزهد ؛ من السكون إلى الله، والتأنس بمشاهدة الله حتى تغيب عما سواه. فإذا بلغت هذا الوصف فلا جناح على المريد أن يسعفها فيما تفعل بالمعروف، من غير سَرَفٍ ولا ميل إلى هوى، لأن فعلها حينئذٍ بالله، ومن الله، وإلى الله، ﴿والله بما تعملون خبير﴾ لا يخفى عليه شيء من أمرها، ولا جناح عليكم، أيها المريدون، إن تزكت نفوسكم، وطهرت من الأغيار قلوبكم، فيما عرضتم به من خطبة أبكار الحقائق وثيبات العلوم، أو أكننتم في أنفسكم من المعارف والفهوم، علم الله أنكم ستذكرون ذلك باللسان قبل أن يصل الذوق إلى الجَنَان، فلا تصرحوا بعلوم الحقائق مع كل الخلائق ؛ فإن ذلك من فعل الزنادق، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً، إشارة أو تلويحاً، فعلمنا كله إشارة، فإذا صار عبارة خفي.
ولا تطلبوا علم الحقائق قبل بلوغ أجله، وهو موت النفوس، والزهد في الفلوس، وكمال التربية، وتمام التصفية، ﴿واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم﴾ من الشرة إليها قبل أوانها، ﴿فاحذروه﴾ أن يعاقبكم بحرمانها، ﴿واعلموا أن الله غفور حليم﴾ لا يعاجلكم بحرمان قصدكم، إن صح مقصدكم، والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٢
قلت :﴿ما﴾ مصدرية ظرفية، و ﴿أو تفرضوا﴾ معطوف على ﴿تمسوهن﴾ أي : لا تبعة عليكم ولا إثم إن طلقتم النساء قبل البناء، مدة كونكم لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن مهراً، و ﴿إلا أن يعفون﴾ مبنى ؛ لاتصاله بنون النسوة، ووزنه : يفعُلن كقوله تعالى :﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا يَدْعُنَنِى إِلَيْهِ﴾ [يُوسُف : ٣٣]، وقوله :﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسآءِ الَّتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ [النُّور : ٦٠]، و ﴿حقّاً﴾ مفعول مطلق.


الصفحة التالية
Icon