يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿والذين يتوفون منكم﴾ ويتركون ﴿أزواجاً﴾ بعدهم، فيجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم وصية يتمتعن بها من كسوة ونفقة وسكنى، إلى تمام ﴿الحول﴾ ما دام الأزواج لم يخرجن من مسكن الزوج، ﴿فإن خرجن﴾ بأنفسهن، فلا نفقة ولا كسوة ولا سكنى عليكم أيها الأولياء، ولا حرج عليكم ﴿فيما فعلن في أنفسهن﴾ من التزين والتعرض للنكاح بعد تمام عدتهن، على ما هو معروف في الشرع، والوصية منسوخة بآية الميراث، وتربص الحول بآية ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَراً﴾ [البَقَرَة : ٢٣٤] المتقدمة المتأخرة في النزول، ﴿والله عزيز حكيم﴾ ينسخ ما يشاء، ويحكم ما يريد، باعتبار الحكمة والمصلحة.
الإشارة : والذين يُتوفون عن الحظوظ والشهوات، ويتركون علوماً وأسراراً، ينبغي لهم أن يوصوا بحفظها وتدوينها، كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه إذا استغرف في الكلام وفاضت عليه المواهب، يقول :(هلاَّ رجلٌ يقيد عنا هذه العلوم). هـ ليقع التمتع بها للسائرين والطالبين، ﴿غير إخراج﴾ لغير أهلها، فإن قضى الوقت يخروجها، من غير قصد، فلا حرج، إما لغلبة وجد أو هداية مريد، ﴿والله عزيز حكيم﴾، فعزته اقتضت الغيرة على سره : أن يأخذه غير أهله، وحكمته اقتضت ظهوره في وقته لأهله. والله تعالى أعلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٥
قلت : إنما كرره لأن الأولى في غير المدخول بها، إذا طُلقت قبل الفرض، وهذه في المدخول بها، وعبَّر أولاً بالمحسن : لأن المتعة قبل الدخول لا يعطيها إلا أهل الإحسان ؛ لأن المطلق لم يحصل له تمتع بالزوجة، بخلاف الثاني، فمطلق المدخول بها، التقوى تحمله على الإمتاع.
وقيل : لمّا نزلت الآية الأولى، قال رجل من المسلمين : إنْ أحسنتُ مَتَّعْتُ وإلاَّ تَركتُ، فنزلت الثانية تأكيداً. وقال :﴿حقّاً على المتقين﴾ الشرك، أي : على كل مؤمن، وحكمها : الندب، عند مالك، على تفصيل ذكره، في المختصر، فقال عاطفاً على
٢٣٦