قَدْ يُسبحُ الله أمَامَ السارِي
٢٣٧
فرجع الرجل بعياله.
والآية تدل على أن الفرار من الطاعون حرام في تلك الشريعة، كما حرم في شرعنا، وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبيّ ﷺ قال :" إِذَا سَمِعْتُمْ هذا الوباء بِبلد فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِبلد وَأَنْتُمْ فيه فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهُ ". قلت : وقد اختلف الأئمة في حكم الفرار والقدوم : فمنهم من شهر المنع فيهما تمسكاً بظاهر الحديث، ومنهم من شهر الكراهة، والمختار في الفرار : التحريم، وفي القدوم : التفصيل، فمن قوي يقينه، وصفا توحيده، حَلَّ له القدوم، ومن ضعف يقينه، بحيث إذا أصابه شيء نسب التأثير لغير الله حرم عليه القدوم.
وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قلت : يا رسول الله، ما الطاعون ؟ قال :" غدة كغدة البعير، المقيم فيه كالشهيد، والفارُّ منه كالفار من الزحْف " قال ابن حجر : كون المقيم فيه له أجر شهيد إنما بشرط أن يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن يسلم إليه أمره ويرضى بقضائه، وأن يبقى في مكانه ولا يخرج منه بقصد الفرار، فإذا اتصف الجالس بهذه القيود حصل له أجر الشهادة، ودخل تحته ثلاث صور، الأولى : من اتصف بذلك فوقع له الطاعون ومات فهو شهيد. والثانية : من وقع به ولم يمت به فهو شهيد وإن مات بعد ذلك. والثالثة : من لم يقع به أصلاً ومات بغيره عاجلاً أو آجلاً فهو شهيد، إذا حصلت فيه القيود الثلاثة، ومن لم يتصف بالقيود الثلاثة فليس بشهيد، ولو مات بالطاعون، والله أعلم. هـ.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٧


الصفحة التالية
Icon