وأما القدوم من بلد الطاعون إلى البلد السالمة منه فجائز. ولا يُمنع من الدخول، قاله الباجي وابن حجر والحطاب وغيرهم لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ " وأما قوله عليه الصلاة والسلام :" فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ " وقوله :" لاَ يُرد مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ " فهو محمول على حسم المادة، وسد الذريعة ؛ لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك، فيظنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، هذا المختار في الجمع بين الحديثين. والله تعالى أعلم. وإنما أطلت في المسألة لِمَسْ الحاجة ؛ لأن التأليف وقع في زمن الوباء، حفظنا الله من وبالها.
وقيل : إن الذين خرجوا من ديارهم قوم من بني إسرائيل، أُمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ؛ ليعرفهم أنهم لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم ؛ وأمرهم بالجهاد، بقوله :﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ الآية. وقوله تعالى :﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ ؛ حيث أنزل بهم رحمته، ففروا منها، ولم يعاقبهم، حيث أحياهم بعد موتهم، ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ إذ لا يفهم النعم في طي النقم إلا القليل، فيشكروا الله في السراء والضراء.
٢٣٨
الإشارة : ألم تر أيها السامع إلى الذين خرجوا من ديار عوائدهم وأوطان شهواتهم، وهم جماعة أهل التجريد، القاصدين إلى صفاء التوحيد، الغرق في بحر التفريد، حذراً من موت أرواحهم بالجهل والفَرْقِ، فاصطفاهم الله لحضرته، وجذبهم إلى مشاهدة ذاته، فقال لهم الله : موتوا عن حظوظكم، وغيبوا عن وجودكم، فلما ماتوا عن حظوظهم، وغابوا عن وجودهم، أحياهم الله بالعلم والمعرفة، ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ حيث فتح لهم باب السلوك، وهيأهم لمعرفة ملك الملوك، ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ حيث تجلّى لهم، وعرَّفهم به، وهم لا يشعرون، إلا من فتح الله بصيرتهم، وقليل ما هم.


الصفحة التالية
Icon