﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ أي : الآيات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ﴿وأيدناه بروح القدس﴾، أي : جبريل عليه السلام كان معه أينما سار، وخصَّه بالتعيين ؛ فإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، فردَّهم إلى الصواب باعتقاده نبوته دون ربوبيته.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٩
الإشارة : كما فضَّل الله الرسل بعضهم على بعض، كذلك فضل الأولياء بعضهم على بعض، وإنما يقع التفضيل بكمال اليقين، والتغلغل في علم التوحيد الخاص، ذوقاً وكشفاً، والترقي في المعارف والأسرار، وذلك بخدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، والتفرغ التام، والزهد الكامل في النفس والفَلْس والجنْس، فمنهم من تحصل له المشاهدة وتصحبها المكالمة، ومنهم من تحصل له المشاهدة دون المكالمة، ومنهم من تحصل له الكرامات الواضحة، ومنهم من لا يرى شيئاً من ذلك استغناءً عنها بكرامة المعرفة. وما قيل في الرسل من عدم تعيين المفضول، مثله يقال في حق الأولياء، وإلا وقع في الغيبة الشنيعة ؛ فإن لحوم الأولياء سموم، فليعتقد الكمال في الجميع، ولا يصرح بتعيين المفضول كما تقدم. والله تعالى أعلم.
ولما ذكر الحقّ تعالى أحوال الرسل، وتفاوتهم في العناية، ذكر أحوال أممهم وتفاوتهم في الهداية، فقال :
﴿... وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـاكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
قلت : إذا وقع فعل المشيئة بعد ﴿لو﴾ فالغالب حذف مفعوله، كقوله :﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف : ١٧٦]، أي : لو شئنا رفعه لرفعناه بها، وكقوله :﴿ولو شاء الله ما اقتتل...﴾، أي : لو شاء هدايتهم ما اقتتلوا، وغير ذلك.


الصفحة التالية
Icon