يقول الحقّ جلّ جلاله : واذكر يا محمد، أو أيها السامع، حين ﴿قال إبراهيم﴾ عيله السلام : يا ﴿رب أني كيف تحيي الموتى﴾ أي : أبصرني كيفية إحياء الموتى، حتى أرى ذلك عياناً، أراد عليه السلام أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، وقيل : لما قال للنمرود :﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ قال له : هل عاينت ذلك ؟ فلم يقدر أن يقول : نعم. وانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه ذلك ؛ ليطمئن قلبه على الجواب، إن سئل مرة أخرى، فقال له الحقّ جلّ جلاله :﴿أولم تؤمن﴾ بأني قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة ؟ وإنما قال له ذلك، مع علمه بتحقيق إيمانه ؛ لجيبه بما أجاب فيعلم السامعون غرضه، ﴿قال﴾ إبراهيم عليه السلام :﴿بلى﴾ آمنت أنك على كل شيء قدير، ﴿ولكن﴾ سألتك ﴿ليطمئن قلبي﴾ ؛ إذ ليس الخبر كالعيان، وليس علم اليقين كعين اليقين، أراد أن يضم الشهود والعيان إلى الوحي والبرهان.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿فخذ أربعة من الطير﴾ ؛ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام، ﴿فصرهن إليك﴾ أي : اضممهن إليك لتتأملها وتعرف أشكالها، لئلا يلتبس عليك بعد الإحياء أشكالها، ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً﴾ أي : ثم جَزَّئهن، وفرق أجزاءهن على الجبال التي تحضرك. قيل : كانت أربعة وقيل : سبعة، ﴿ثم ادعهن﴾ وقل لهن : تعالين بإذن الله، ﴿يأتينك سعياً﴾ أي : ساعيات مسرعات، رُوِيَ أنه أمر أن يذبحها وينتف ريشها، ويقطعها ويخلط بعضها ببعض، ويوزعها على الجبال، ويمسك رؤوسها عنده، ثم يناديها، ففعل ذلك، فجَعَل كل جزء يطير إلى الآخر ويلتئم بصاحبه حتى صارت جثثاً، ثم أقبل إليه فأعطى كل طير رأسه فطار في الهواء. فسبحان من لا يعجزه شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، ثم نبّه إلى التفكر
٢٦٠
في عجائب قدرته وحكمته فقال :﴿واعلم أن الله عزيز﴾ لا يعجزه شيء، ﴿حكيم﴾ ذو حكمة بالغة فيما يفعل ويذر.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٦٠