الإشارة : من أراد ان تحيا رُوحُه الحياة الأبدية، وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، فلا بد أن تموت نفسه أربع موتات :
الأولى : تموت عن حب الشهوات والزخارف الدينوية، التي هي صفة الطاووس.
الثانية : عن الصولة والقوى النفسانية، التي هي صفة الديك.
الثالثة : عن خسة النفس والدناءة وبعد الأمل، التي هي صفة الغراب.
الرابعة : عن الترفع والمسارعة إلى الهوى المتصف بها الحمام.
فإذا ذبح نفسه عن هذه الخصال حييتْ روحه، وتهذبت نفسه، فصارت طوع يده، كلما دعاها إلى طاعة أتت إليها مسرعة ساعية.
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو الحسن الشاذلي بقوله في حزبه الكبير :(واجعل لنا ظهيراً من عقولنا ومهيمناً من أرواحنا، ومسخراً من أنفسنا، كي نسبحك كثيراً، ونذكرك كثيراً، إنك كنت بنا بصيراً).
ولما كانت حياة الروح متوقفة على أمرين : بذل النفوس، ودفع الفلوس وقدم الإشارة إلى الأول بقوله :﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٦٠
قلت :﴿مثل الذين﴾ : مبتدأ، و ﴿كمثل﴾ : خبر، ولا بد من حذف مضاف، إما من المبتدأ أو الخبر، أي : مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة، أو مثل الذين ينفقون كمثل باذر حبة... الخ.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في التحريض على النفقة في سبيل الله :﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ أي : يتصدقون بها في سبيل الله، كالجهاد ونحوه، ﴿كمثل﴾ زارع ﴿حبة أنبتت﴾ له ﴿سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾، فالمجموع سبعمائة. وفي الحديث عنه ﷺ :" الحَسَبنَة بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إلى سَبعمائَة إلى أضْعَافٍ كَثيرَةٍ " وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز، والمنبت هو الله، وهذا مثال لا يقتضي الوقوع، وقد يقع في الذرة والدخن في الأرض الطيبة، بحيث تخرج الحبة ساقاً
٢٦١