الإشارة : الحكمة هي : شهود الذات مرتديةً بأنوار الصفات، وهي حقيقة المعرفة، ومن عرف الله هابه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :" رأس الحكمة مخافة الله " وقيل : هي تجريد السر لورود الإلهام، وقيل : هي النور المفرق بين الوسواس والإلهام، وقيل : شهود الحق تعالى في جميع الأحوال. والتحقيق : أن الحكمة هي إبداع الشيء وإتقانه حتى يأتي على غاية الكمال، ويجري ذلك في العلم والعمل والحال والمعرفة.
وقال القُشَيْري : الحكمة : أن يَحكم عليك خاطر الحق لا داعي الباطل، وأن تحكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان. ويقال : الحكمة : صواب الأمر، ويقال : هي ألا تغلب عليك رعونات البشرية، ومن لا حكم له على نفسه لا حُكْمَ له على غيره. ويقال : الحكمة : موافقة أمر الله، والسفه : مخالفة أمره، ويقال : الحكمة شهود الحق، والسفه : شهود الغير. قاله المحشي.
٢٦٩
واعلم أن الصوفية، في اصطلاحهم، يُعبِّرون عن أسرار الذات بالقدرة، وعن أنوار الصفات - وهي ظهور آثارها - بالحكمة. فالوجودُ كله قائم بين الحكمة والقدرة، فالقدرة تُبرز الأشياء، والحكمة تَسترها. فربط الأشياء واقترانها بأسبابها تُسمى عندهم الحكمة، وإنفاذ الأمر وإظهار يُسمى القدرة، فمن وقف مع الحكمة حجب عن شهود القدرة، وكان محجوباً عن الله. ومن نفذ إلى شهود القدرة ولم يرتبط مع الأسباب والعوائد كان عارفاً محبوباً. فالعارف الكامل هو الذي جمع بين شهود القدرة وإقرار الحكمة، فأعطى كل ذي حق حقه، وَوَفَّى كلَّ ذي قسط قسطه، لكن يكون ذلك ذوقاً وكشفاً، لا علماً وتقليداً. وبالله تعالى التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٦٩