يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿وما تنفقوا من خير﴾ قليل أو كثير، فهو ﴿لأنفسكم﴾ لا ينتفع به غيركم، فإن كان طيباً فلأنفسكم، وإن كان خبيثاً فأجره لكم، وإن مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم، وأيضاً إنكم تَدَّعُونَ أنكم ﴿ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾، فكيف تقصدون الخبيث، وتجعلونه لوجه الله ؟ وكيف تَمُنُّونَ أو تؤذون بها وهي وجه الله ؟ هذا تكذيب للدعوى، وكل ما تنفقون من خير قليل أو كثير ﴿يُوف إليكم﴾ جزاؤه يوم القيامة بسبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ويخلفه لكم في الدنيا، ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ شيئاً من أعمالكم إن أخلصتم أو أحسنتم. وستأتي إشارتها مع ما بعدها.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧١
قلت :﴿للفقراء﴾ : متعلق بمحذوف، أي : يعطي ذلك للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، والإلحاف، : هو الإلحاح في السؤال، وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه، وهو منصوب على المصدر أو الحال.
يقول الحقّ جلّ جلاله : تجعلون ما تنفقونه ﴿للفقراء الذين أحصروا﴾ أي : حبسوا أنفسهم في ﴿سبيل الله﴾ وهو الجهاد، ﴿لا يستطيعون ضرباً في الأرض﴾ أي : ذهاباً في الأرض للتجارة أو للأسباب، بل شغلهم الجهاد والتبتل للعبادة عن الأسباب، وهم أهل الصُّفَّة، كانوا نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين، يسكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم في العلم والذكر والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس رضي الله عنه :" وقف النبيّ ﷺ يوماً على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلبوهم، فقال :" أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه، راضياً بما فيه فإنه، من رفقائي ".
٢٧٢