ومن شأن الحق جلّ جلاله مع عباده : أن من طلب الزيادة في حس ظاهره محق الله نور باطنه، ومن حسم مادة زيادة الحس في ظاهره قوي الله مدد الأنوار في باطنه، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة : ٢٧٦]، أي : يُقَوِّي مدد ثواب الصدقات. ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة : ٢٧٦]، وإنما يحب كل مطيع منيب، وهو من آمن إيمان أهل التحقيق، وسلك أهل التوفيق. فلا جرم أنه ينخرط في سلك أهل العناية، ويسلك به مسلك أهل الولاية، الذين ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس : ٦٢].
﴿
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧٦
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ حق تقاته، واتركوا ما بقي في باطنكم من بقايا الحس وأسبابه، إن كنتم طالبين إيمان أهل الشهود، والوصول إلى الملك المعبود. فإن لم تفعلوا ذلك فاعلموا أنكم في مقام البعد من حيث لا تظنون، معاندون وأنتم لا تشعرون. وإن رجعتم إلى ربكم فلكم رؤوس أموالكم، وهم نور التوحيد، لا تنقصون منه ولا تزيدون عليه، إلا إن أفردتم الوجهة إليه، وطلبتم الوصول منه إليه، فإن الله لا يُخيٍّب من أمَّل جُوده، ولا يردُّ من وقَف ببابه، بمنِّه وكرمه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧٦
قلت :﴿كان﴾ : تامة بمعنى حضر، وقرأ أُبَيّ وابنُ مسعود :﴿ذا عسرة﴾ فتكون ناقصة، و ﴿نظرة﴾ : مبتدأ، والخبر محذوف، أي : فعليكم نظرة، أو فالواجب نظرة. وهو مصدر بمعنى الإنظار، وهو الإمهال، و ﴿ميسرة﴾ : فيه لغتان : الفتح والضم، وهي مَفْعَلة من اليسر، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم وقَيْس ونَجْد.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإن حضر الغريم وهو معسر، فعليكم إنظاره، أي : إمهاله إلى زمان يسره ولا يحل لكم أن تُضَيِّقُوا عليه، وتطالبوه بما ليس عنده إن أقام البيِّنَةَ على
٢٧٧