قلت : السَّأَمُ هو : الملَلُ، و ﴿لا يضار﴾ يحتمل أن يكون مبنيّاً للفاعل، وأصله : يضارر بالكسر، أو للمفعول، فيكون الأصح بالفتح. يقول الحقّ جلّ جلاله : ولا يمتنع ﴿الشهداء﴾ من تحمل الشهادة إذا دعوا إليها، حيث تعيَّنت عليهم، وسُموا شهداء باعتبار المآل، وإنما تتعين إذا لم يوجد غيرهم. أو : من أدائها حيث لا ضرر، ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه﴾ أي : ولا تملوا من كتابة الحق إذا تكرر ﴿صغيراً﴾ كان ﴿أو كبيراً﴾، فقيدوا ذلك ﴿إلى أجله﴾، ﴿ذلكم أقسط عند الله﴾ أي : ذلك الكتاب والتقييد للحقوق، أكثر قسطاً عند الله ؛ لأنه أدفع للنزاع وأحفظ للحقوق، ﴿وأقوم للشهادة﴾ أي : أثبتُ لها وأعون على أدائها، ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾ أي : وأقرب لعدم الريب والشك في جنس الدين وقَدْره وأجلَه، لأنه إذا كتب جنسه وقدره وأجله لم يبق لأحد شك في ذلك، ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة﴾ لا أجَل فيها، ﴿تديرونها بينكم﴾ أي : تتعاملون فيها نقداً، ﴿فليس عليكم جُنَاحٌ ألا تكتبوها﴾ ؛ لقلة النزاع فيها، ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ مطلقاً بدين أو نقد ؛ لأنه أحوط، خوفاً من الإنكار، والأوامر في هذه الآية للاستحباب عند الأكثر.
﴿
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧٩
ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ بالتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة، على البناء للفاعل، أو : ولا يضارا بأن يُعْجلا عن مهم، أو يكلفا الأداء من شقة بعيدة، أو يمنع من أجرته، ﴿وإن تفعلوا﴾ ذلك الضرار وما نهيتهم عنه ﴿فإنه فسوق بكم﴾ أي : خروج بكم عن حد الاستقامة، ﴿واتقوا الله﴾ في مخالفة أمره ونهيه، ﴿ويعلمكم الله﴾ العلوم اللدنية ﴿والله بكل شيء عليم﴾ ؛ فلا يخفى عليه من اتقى الله ممن عصاه. وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث، لاستقلالها، فإن الأُولى حثٌّ على التقوى والثانية وعدٌ بتعليم العلم، والثالثة تعظيم لشأنه، ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية. قاله البيضاوي.