ولمَّا نزل قوله تعالى :﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم...﴾ الآية. شق ذلك على الصحابة - رضي الله عنهم - فجاء الصدِّيقُ والفاروق وعبدُ الرحمن ومعاذ، وناسُ من الأنصار، فَجَثَوْا على الرُّكَب، وقالوا : يا رسول الله، ما نزلت علينا آيةٌ أشدُّ من هذه الآية وأنا إن أخذنا بما نُحَدِّثُ به أنفَسنا هَلَكْنَا! فقال النبيّ ﷺ :" هكذا نزلت " فقالوا : كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق، فقال - عليه الصلاة والسلام :" فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل :﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة : ٩٣]، قولوا :﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة : ٢٨٥] "، فقالوا :﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وذَلَّتْ بها أَلْسِنَتُهُمْ، فأَنْزَلَ اللّهُ التخفيف، وحكى ما وقع لهم من الإيمان والإذعان.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٨٢
قلت : من قرأ :﴿لا نفرق﴾ بالنون، فعلى حذف القول، أي : قالوا : لا نفرق، ومن قرأ بالياء فيرجع إلى الكل، أي : لا يفرق كل واحد منهم بين أحد من رسله، و ﴿بين﴾ : من الظروف النسبية، لا تقع إلا بين شيئين أو أشياء، تقول : جلست بين زيد وعمرو، وبين رجلين، أو رجال، ولا تقول بين زيد فقط، وإنما أضيف هنا إلى أحد لأنه في معنى الجماعة، أي : لا نفرق بين آحاد منهم كقوله عليه الصلاة والسلام :" ما أُحلَّت الغنائم لأحدٍ، سُودِ الرؤوس، غيركم " و ﴿غفرانك﴾ : مفعول مطلق، أي : اغفر لنا غفرانك. أو : نطلب غفرانك، فيكون مفعولاً به.