العذاب ﴿يوم تبيض وجوه﴾ المؤمنين المتقين على التوحيد، ﴿وتسود وجوه﴾ الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كِنَايتَان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل : يُوسَم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. ﴿فأما الذين اسودت وجوههم﴾ فيقال لهم يومئذ :﴿أكفرتم﴾ بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد ظهوره، ﴿بعد إيمانكم﴾ به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته ﷺ وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضاً :﴿ذوقوا العذاب﴾ بسبب ما كنتم ﴿تكفرون﴾.
﴿
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٥٦
وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله﴾ أي : جَنته، ﴿هم فيها خالدون﴾. وعبَّر بالرحمة عن الجنة ؛ تنبيهاً على أن المؤمن، وإنْ استغرق عمره في طاعة الله - تعالى -، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حِلية المؤمنين لتقدُّم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلعُ الكلام ومقطعُه حليةَ المؤمنين وثوابهم.
﴿تلك آيات الله﴾ الواردة في وَعْده وَوَعِيدِه، ﴿نتلوها عليك﴾ متلبسة ﴿بالحق﴾ لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، ﴿وما الله يريد ظلماً للعالمين﴾ ؛ إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يُمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بيَّنه بقوله :﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً، فيجازي كلا بما وَعَدَه، وأوْعَدَه، ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ كلها ؛ فيتصرف على وفْقِ مراده وسَابق مشيئته، ﴿لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبيَاء : ٢٣].